جيفري إبستين… حين تنصهر الحقيقة على إيقاع النار
كتب / عدنان نصّار
في هذا العالم، لا تُدفن الحقيقة… بل يُعاد إخراجها من المسرح.
هكذا تبدو قصة جيفري إبستين؛ لا كفضيحةٍ أخلاقية فحسب، بل كأحد أكثر الملفات حساسيةً في زمنٍ يُعاد فيه تشكيل الوعي العام بمهارةٍ لافتة. رجلٌ لم يكن مجرد مجرمٍ ثري، بل نقطة تقاطع لدوائر نفوذٍ معقّدة، تتشابك فيها السياسة بالمال، والسلطة بالصمت، والفضيحة بما هو أكبر منها.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في ما عُرف…
بل في ما تمّ تجاوزه.
حين انفجرت القضية، بدا العالم وكأنه يقف على عتبة كشفٍ كبير. أسماء، علاقات، تساؤلات، ومؤشرات على شبكةٍ تتجاوز الفرد إلى منظومة. لكن، وكما يحدث كثيرًا، لم يكتمل المشهد.
تبدّلت الأولويات.
تراجعت القضية.
وانسحب الضوء.
ليس لأن الحقيقة أصبحت أقل أهمية، بل لأن هناك دائمًا ما هو أعلى صوتًا، وأكثر إلحاحًا، وأكثر قدرة على الاستحواذ على انتباه العالم.
في السياسة، لا شيء يختفي عبثًا.
وفي الإعلام، لا شيء يتقدّم إلى الواجهة دون سبب.
ما حدث لم يكن اختفاءً مفاجئًا، بل انسحابًا تدريجيًا، أشبه بإخراجٍ هادئ لملفٍ ثقيل من دائرة الضوء، واستبداله بمشهدٍ أكثر صخبًا… وأكثر قابلية للاستهلاك.
وهنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث في قضية إبستين؟
بل: ماذا حدث لنا… ونحن نتابعها؟
كيف انتقلنا من حالة ترقّبٍ عالمي إلى حالة صمتٍ شبه كامل؟
كيف تحوّلت قضية بحجمٍ دولي إلى ملفٍ هامشي في ذاكرةٍ إعلامية لا تنام؟
الإجابة، كما تبدو، لا تكمن في غياب الأدلة، بل في فائض الأحداث.
العالم اليوم لا ينسى لأنه يريد أن ينسى… بل لأنه يُغرق بما يكفي لينشغل.
تتدفق الأزمات، تتسارع الحروب، تتكاثر العناوين، حتى يصبح التركيز نفسه عبئًا. وفي خضم هذا التدفق، تضيع القضايا التي تحتاج إلى هدوءٍ لكشفها، وصبرٍ لمتابعتها، وشجاعةٍ لفتح أبوابها المغلقة.
وهنا، تحديدًا، تبرز أخطر منطقة في المشهد:
المنطقة التي لا تُحجب فيها الحقيقة… بل تُزاح.
لا تُكذّب… بل تُؤجّل.
لا تُلغى… بل تُستبدل.
وفي هذه المساحة الرمادية، يمكن لأي ملف—مهما كان ثقيلًا—أن يتحول إلى تفصيلٍ عابر، إذا ما أُحيط بما يكفي من الضجيج.
وفي قلب هذا التحليل، تبرز الفكرة التي تُقال بصوتٍ منخفض، لكنها تتردّد بإصرار:
إن الذين أشغلوا العالم بعدوانٍ صارخ، وبأزيز الطائرات والصواريخ، ليسوا بالضرورة بعيدين عن أولئك الذين لا يحتملون بقاء الضوء مسلطًا طويلًا على ملفاتٍ حساسة… من طراز إبستين.
ليست مسألة اتهامٍ مباشر، بقدر ما هي قراءةٌ في سلوك السلطة حين تُحاصر.
فالأنظمة، أيًّا كانت، حين تواجه ملفاتٍ تهدّد صورتها أو استقرار شبكاتها، لا تبحث دائمًا عن المواجهة… بل عن الإزاحة.
إزاحة الانتباه.
إزاحة النقاش.
إزاحة الأولويات.
وهل هناك أداة أكثر فاعلية في إزاحة العالم عن ملفٍ ما… من إدخاله في دوّامة أزماتٍ متلاحقة، تستنزف الانتباه وتعيد تشكيل الوعي؟
في هذا السياق، لا تبدو الحروب دائمًا كحدثٍ منفصل، بل كجزءٍ من مشهدٍ أوسع، يُعاد فيه ترتيب ما يجب أن يُرى… وما يجب أن يُترك في الظل.
قضية إبستين لم تُغلق.
لم تُحسم.
ولم تُفسَّر بالكامل.
هي فقط خرجت من الواجهة، في توقيتٍ لا يمكن فصله عن طبيعة العالم الذي نعيش فيه؛ عالمٌ يُتقن إدارة أولوياته بقدر ما يُتقن صناعة أزماته.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة:
ليس المطلوب أن تُخفى الحقيقة بالكامل… يكفي أن تُؤجَّل.
أن تُرحَّل من يومٍ إلى يوم.
ومن أزمةٍ إلى أخرى حتى تفقد قدرتها على الإزعاج.
وفي النهاية، لا تعود القضية: من ارتكب؟ ومن شارك؟
بل تصبح: من تذكّر أصلًا؟
في عالمٍ كهذا، لا تموت الحقيقة…
لكنها تُستنزف.
ولا تُكذّب…لكنها تُرهَق ،ولا تُدفن…
لكنها تُترك لتضيع في زحمة كل ما هو أعلى صوتًا، وأسرع، وأكثر قابلية للاستهلاك.
وهنا، لا تكون العدالة غائبة فقط…
بل مؤجَّلة إلى أجلٍ لا يجرؤ أحد على تحديده.