حصر السلاح للعراق… وتسليح الفوضى لإيران..!
كتب / سيف البطبوطي ||
في العراق، ترفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شعار “حصر السلاح بيد الدولة” بوصفه مبدأً سياديًا لا يقبل النقاش، وتُقدَّم هذه الدعوة على أنها حرص على الاستقرار وبناء الدولة ومنع الفوضى وحماية الديمقراطية.
تُصاغ التصريحات بعناية لغوية عالية، وتُغلف بمفردات القانون الدولي، والإصلاح المؤسسي، وهيبة الدولة، وكأن الغرب هو الوصيّ الأخلاقي على مفهوم السيادة في هذا البلد.
لكن هذه اللغة نفسها، حين نخرج بها من الجغرافيا العراقية وندخل بها إلى السياق الإيراني، تنقلب رأسًا على عقب، وتتحول من خطاب “دعم الدولة” إلى خطاب “دعم المحتجين ضد الدولة”.
في إيران، لا تُطرح فكرة حصر السلاح بيد الدولة بوصفها ضرورة لبناء النظام أو حماية المجتمع، بل يُنظر إلى أي التزام أمني مركزي على أنه “قمع” و”ديكتاتورية”.
فجأة، يصبح تسليح الجماعات الخارجة عن القانون فعلًا مشروعًا، بل “حقًا ثوريًا”، وتتحول أعمال العنف إلى “مقاومة شعبية”، وتُبرَّر محاولات زعزعة الأمن الداخلي بوصفها نضالًا من أجل الحرية. المعايير ذاتها، والمفاهيم ذاتها، لكن التفسير يتغير بتغير الموقف السياسي من النظام الحاكم.
هذا التناقض ليس سهوًا في الخطاب ولا خطأ في التقدير، بل هو سياسة ممنهجة قائمة على مبدأ واحد: الدولة التي تخدم المصالح الأميركية والغربية يُراد لها أن تكون قوية محتكرة للسلاح، والدولة التي ترفض الهيمنة أو تسعى للاستقلال الحقيقي يُراد لها أن تكون هشة، مخترقة، متنازعة، يُفتح فيها باب السلاح والفوضى من الداخل.
ليست القضية إذن “حصر سلاح” ولا “حرية شعوب”، بل وظيفة الدولة في خريطة النفوذ العالمي.
الأخطر من ذلك أن هذا النفاق يُصدَّر إلى الرأي العام المحلي عبر نخب إعلامية وثقافية تتبنى الخطاب الغربي دون مساءلة. في العراق، يُطلب من المواطن أن يصدق أن الغرب حريص على سيادته وأمنه، بينما يرى بعينه كيف دعمت هذه القوى ذاتها جماعات مسلحة في دول أخرى لإسقاط أنظمتها أو إنهاكها. هذا الانفصام بين الخطاب والواقع لا يخلق وعيًا سياسيًا ناضجًا، بل ينتج ارتباكًا أخلاقيًا ومعرفيًا، ويُربك المفاهيم الأساسية مثل الدولة، والمقاومة، والسيادة، والإرهاب.
إن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة لا يمكن أن يكون مبدأً انتقائيًا يُستخدم حيث يخدم المصالح ويُلغى حيث يضرّها. إما أن يكون مبدأً أخلاقيًا وقانونيًا عامًا يُطبَّق على الجميع، أو يُعترف صراحة بأنه أداة سياسية تُستخدم لإعادة هندسة المجتمعات بما يتناسب مع إرادة القوى الكبرى. أما الاستمرار في هذا الخطاب المزدوج، فهو لا يكشف إلا حقيقة واحدة: أن أميركا والاتحاد الأوروبي لا يدافعان عن الدولة بوصفها قيمة، بل عن الدولة بوصفها أداة.
من هنا، فإن وعي الشعوب بهذه الازدواجية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية.
فالدولة التي تُبنى على مفاهيم مستوردة بلا نقد، سرعان ما تُستعمل هذه المفاهيم ذاتها ضدها.
وحين يُطلب من مجتمع ما نزع سلاحه بدعوى بناء الدولة، عليه أن يسأل أولًا:
هل هذه الدعوة تُطبَّق كقاعدة عامة، أم تُستخدم كسكين سياسية تُشهر بوجه من يراد إخضاعه فقط؟
الإجابة على هذا السؤال هي بداية التحرر من وهم الخطاب الغربي، وبداية بناء موقف مستقل لا يُدار من الخارج ولا يُخدَّر بالشعارات