لماذا نعارض نقل معتقلي “داعش” من شمال سورية الى العراق؟ وما هو الهدف الأمريكي من ورائه؟
كتب / عبد الباري عطوان
مصيدة نقل حوالي 7 الاف من معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من مركز “الهول” في مدينة الحسكة شمال سورية الى العراق، وبإشراف قوات أمريكية، تحت عنوان محاكمتهم امام القضاء العراقي بتهم الإرهاب، يعني هذا النقل، وللوهلة الأولى، القاء هذه القنبلة الموقوتة شديدة الانفجار في الحضن العراقي، وحل مشكلة وجود هؤلاء (24 الفا في سبعة سجون) على حساب العراق، وربما أمنه واستقراره، وكأنه بحاجة الى “قنابل جديدة” بعد ان بدأ ينعم بالاستقرار.
القيادة العسكرية الامريكية العليا التي صوت البرلمان العراقي بالإجماع على تصفية جميع قواعدها العسكرية في العراق، وجرى قبل أيام اغلاق قاعدة “عين الأسد” الاضخم، تريد انقاذ السلطات السورية المؤقتة بقيادة الرئيس المؤقت احمد الشرع وخصومه الاكراد (قوات سورية الديمقراطية “قسد”) من “زلزال” الدولة الإسلامية التي بدأت تستعيد قواها بشكل متسارع على الأراضي السورية (عملية تدمر التي أدت الى مقتل مقتلجنديين أمريكيين ومترجم قبل شهر تقريبا)، بتصديرها مرة أخرى الى العراق.
لا نعرف ما هي الحكمة وراء قبول السلطات العراقية لهذه “الهدية” الامريكية، وتخليص حكومة الرئيس الشرع التي ولدت وترعرعت في حضن “الدولة الإسلامية” من أعبائها وإرثها الدموي، خاصة في مثل هذا التوقيت الذي يتزامن مع احتمال شن الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانا على ايران قد يتطور الى حرب إقليمية طويلة ومكلفة جدا للمنطقة وأمنها واستقرارها، والعراق على رأسها.
هناك أكثر من 3000 مقاتل أجنبي من بين المحتجزين في مخيم “الهول” في الحسكة، رفضت حكوماتهم استلامهم، ومحاكمتهم في أراضيها، فلماذا يتطوع العراق بإعفائهم من هذه المسؤولية واستقبال الدفعة الأولى منهم المكونة من 150 مقاتلا، ومحاكمتهم امام قضاة عراقيين؟
معظم هؤلاء “المقاتلين”، ان لم يكن كلهم، وبغض النظر عن اصولهم وجنسياتهم، جرى تدريبهم وتسليحهم وتصديرهم الى المنطقة العربية من قبل أمريكا والدول الغربية تحت “لافتات” القضاء على الدكتاتورية، وترسيخ قيم العدالة والديمقراطية وحقوق الانسان، ولكن الهدف الحقيقي هو زعزعة أمن واستقرار دول المنطقة لمصلحة بسط السيطرة الإسرائيلية وإسقاط او تغيير الأنظمة الوطنية.
يبدو ان النفوذ الامريكي في العراق ما زال قويا، بالنظر الى قبول السلطات العراقية الرسمية بهذه الخطوة، والاستعداد لتحمل ما يمكن ان يترتب عليها من نتائج، فاذا كانت أمريكا حريصة فعلا على محاسبة هؤلاء ومحاكمتهم فلماذا لا تنقلهم الى أراضيها، والى معسكر غوانتنامو المتخصص لهذه المسألة مثلما فعلت بأنصار تنظيم القاعدة الذين جرى اعتقالهم بعد احتلال أفغانستان بعد هجوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001.
***
المشروع الأمريكي في سورية الجديدة ينتقل من فشل الى آخر، حيث بدأت الفوضى المسلحة التي تهدد أمنها واستقرارها ووحدتها الترابية تطل بقوة، مع وجود مؤشرات تؤكد تبلور مقاومة وطنية ضد هذا المشروع جنبا الى جنب مع تعافي أذرع المقاومة في لبنان واليمن، وصمودها في قطاع غزة، وتراجع الرئيس ترامب عن توجيه ضربة لإيران بعد استجداء إسرائيلي، ولهذا تهرع القيادة العسكرية الامريكية مجددا الى العراق لتصدير فشلها الى ارضه، وشعبه، وها هي تتخلى عن الاكراد مرة اخرى، ويؤكد مبعوث ترامب توم براك لقوات سورية الديمقراطية (قسد) وبالفم المليان، انتهى دوركم في اسقاط النظام السوري السابق، وليس محاربة “داعش” بعد احتلالكم لكل أبار النفط والغاز وسلة الحبوب السورية لتجويع النظام ومواطنيه تمهيدا لإضعافه واسقاطه بالتالي، وهذا ما حدث.
ختاما نتمنى على أهلنا في العراق الحذر وعدم العودة للسقوط في المصائد الامريكية مرة أخرى، والذهاب الى جحور افاعيها السامة مفتوحي العينيين.. اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.