المضائق تحت المجهر.. إيران ومعادلة الردع التي تختبر استقرار الاقتصاد العالمي..!
كتب / د. إسماعيل النجار ||
في عالمٍ شديد الترابط في القرن الواحد والعشرين، لم تعد الممرات البحرية العالمية مجرد تفاصيل جغرافية، بل تحوّلت إلى عناصر حاسمة في معادلة الاستقرار الدولي.
ويأتي مضيقا هرمز وباب المندب في مقدمة هذه العناصر، باعتبارهما نقطتي عبور مركزيتين للطاقة والتجارة بين الشرق والغرب. وأي اضطراب فيهما ولو محدوداً كفيل بإحداث تداعيات تتجاوز الإقليم إلى النظام الاقتصادي العالمي برمّته.
ضمن هذا السياق، يبرز الدور الإيراني بوصفه فاعلاً إقليمياً رئيسياً يمتلك أدوات ردع متعددة الأبعاد، لا تقوم فقط على القوة العسكرية التقليدية، بل على مزيج مدروس من الجغرافيا، والقدرات التقنية، والتحالفات الإقليمية، وإدارة الأزمات.
الردع البحري كأداة استراتيجية
النقاش حول قدرة إيران على التأثير في أمن الملاحة لا يستند إلى افتراضات نظرية*، بل إلى واقع مفاده أن طهران استثمرت خلال العقود الماضية في بناء قدرات بحرية غير متماثلة، تتيح لها التأثير في حركة العبور دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ولا يتطلب هذا التأثير إغلاقاً كاملاً للممرات المائية، إذ يكفي رفع مستوى المخاطر والتكاليف التشغيلية من تأمين ونقل وتسعير لإحداث ارتباك واسع في الأسواق العالمية. في هذا الإطار، يصبح الردع الاقتصادي امتداداً طبيعياً للردع العسكري.
الصمود كعنصر توازن هو ما يميز المقاربة الإيرانية واعتمادها على عقيدة الصمود طويل الأمد. فقد طوّرت إيران نموذجاً اقتصادياً وأمنياً قادراً على التكيّف مع الضغوط، مستنداً إلى تنويع الأدوات وتوطين القدرات، بما يحدّ من تأثير الأزمات المفاجئة.
في المقابل، تظهر هشاشة نسبية لدى عدد من الاقتصادات المتقدمة، ولا سيما في أوروبا، حيث الاعتماد الكبير على واردات الطاقة وسلاسل الإمداد البحرية يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب ممتد. وهنا لا يتعلق الأمر بتفوق طرف على آخر، بل بـاختلاف بنيوي في القدرة على التحمّل.
تداعيات تتجاوز الإقليم
أي توتر في المضائق سينعكس على
أسعار الطاقة عالمياً، وكلفة الشحن والتأمين، ومعدلات التضخم، واستقرار الأسواق المالية،
أما الولايات المتحدة، ورغم امتلاكها هوامش مناورة أوسع، فلن تكون بمنأى عن التداعيات الاقتصادية والسياسية، خاصة في ظل ترابط الأسواق العالمية وتداخل المصالح التجارية.
فبين الردع والاستقرار من المهم التأكيد أن إيران لا تبدو معنية بتعطيل دائم للملاحة الدولية، لما يحمله ذلك من مخاطر تصعيد واسعة. بل إن رسالتها الأساسية تقوم على تثبيت معادلة ردع متبادلة، مفادها أن أمن المنطقة لا يمكن فصله عن أمن الفاعلين الإقليميين، وأن أي اختلال في هذا التوازن ستكون كلفته جماعية وباهظة.
إن النقاش حول المضائق ليس نقاشاً حول البحر فحسب، بل حول مستقبل إدارة المخاطر في النظام الدولي. وفي ظل التحولات الجارية، فتبدو الحاجة ملحّة لمقاربات دبلوماسية واقعية تعترف بتوازنات القوة القائمة، وتعمل على تحصين الممرات الحيوية من الانزلاق إلى دائرة الصراع المفتوح.
فالاستقرار البحري اليوم لم يعد مسؤولية دولة بعينها، بل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على إدارة التنافس دون كسر شرايين الاقتصاد العالمي.