edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  1. Home
  2. مقالات
  3. الدولة المارقة في النظام الدولي: الولايات المتحدة نموذجًا
الدولة المارقة في النظام الدولي: الولايات المتحدة نموذجًا
مقالات

الدولة المارقة في النظام الدولي: الولايات المتحدة نموذجًا

  • 10 Feb 16:00

كتب / ا.د. نوري حسين نور الهاشمي

عندما ننظر إلى الطريقة التي تشكّلت بها الولايات المتحدة الأمريكية منذ أقل من ثلاثة قرون، لا يمكن فصل نشأتها السياسية عن السياق العنيف الذي رافق ولادتها. فهي لم تتكوّن، كما تحاول سرديتها الرسمية أن توحي، بوصفها مشروعًا تحرريًا أو تجربة أخلاقية استثنائية، بل قامت في جوهرها على موجات هجرة أوروبية حملت معها الهاربين من الفقر، ومن الاضطهاد، ومن الأحكام القضائية، ومن الانهيارات الاجتماعية التي كانت تضرب أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وقد اصطدمت هذه الموجات منذ لحظتها الأولى بوجود إنساني أصيل هو وجود السكان الأصليين، الذين تحوّلوا سريعًا من بشر إلى “عقبة” في طريق التوسع، ومن أصحاب أرض إلى ضحايا مشروع استيطاني لا يعترف إلا بالقوة.
لقد أُقيمت الدولة الوليدة على أنقاض مجازر ممنهجة وسياسات تطهير قسري، ونزع كامل للشرعية عن الإنسان الآخر، لا لشيء سوى أنه لا ينتمي إلى العرق أو الثقافة أو المنظومة التي أراد المستوطن فرضها. لم تكن تلك الجرائم انحرافات عارضة في مسار التاريخ، بل كانت جزءًا مؤسسًا من العقل السياسي الذي تشكّل آنذاك، عقل يرى في العنف وسيلة مشروعة، وفي الهيمنة حقًا طبيعيًا، وفي الإبادة أداة سياسية قابلة للتبرير متى ما اقتضت “المصلحة”.
هذه العقلية التي وُلدت مع الدولة لم تختفِ بمرور الزمن، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال أكثر تعقيدًا ودهاءً. فمع انتقال الولايات المتحدة من طور التوسع الجغرافي الداخلي إلى طور الهيمنة العالمية، تغيّر الخطاب ولم يتغيّر الجوهر. لم يعد القتل يُعلن بوصفه قتلًا، بل أصبح “تدخلًا إنسانيًا”، ولم تعد السيطرة تُسمّى احتلالًا، بل “نشرًا للديمقراطية”، ولم يعد النهب يُقدَّم باعتباره نهبًا، بل “شراكات اقتصادية” و”برامج إعادة إعمار”.
في هذا السياق نشأت الازدواجية الأمريكية الشهيرة: خطاب أخلاقي ناعم في العلن، وسلوك سياسي خشن في الواقع. حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والحريات العامة، تحوّلت إلى أدوات انتقائية للضغط والابتزاز السياسي، لا إلى مبادئ كونية تُطبَّق بعدالة. تُرفع هذه الشعارات حيث تخدم المصالح، وتُدفن حيث تتعارض معها. ويكفي النظر إلى سجل الحروب والانقلابات المدعومة أمريكيًا، وإلى دعم أنظمة قمعية طالما ضمنت الولاء، لفهم طبيعة هذه الأخلاق المؤقتة.
ضمن هذا الإطار، لم يعد غريبًا أن يُدرج عدد متزايد من الباحثين توصيف الولايات المتحدة بوصفها “دولة مارقة” وفق المفهوم السياسي والقانوني المعاصر؛ أي دولة تنتهك القانون الدولي بصورة منهجية، وترفض الخضوع للمساءلة، وتمنح نفسها حق استخدام القوة خارج أي إطار شرعي. فهي الدولة التي شرعنت لنفسها التدخل العسكري العابر للقارات، وأسقطت أنظمة بالقوة، وفرضت حصارات جماعية، ثم نصّبت نفسها في الوقت ذاته حكمًا أخلاقيًا على سلوك الدول الأخرى.
ولعل أوضح وأخطر تجليات هذا السلوك المارق في التاريخ الحديث يتمثل في استخدام الولايات المتحدة للسلاح النووي ضد مدينتي هيروشيما وناغازاكي عام 1945. فالقضية هنا لا تتعلق بقرار عسكري في سياق حرب فحسب، بل بسابقة أخلاقية وسياسية غير مسبوقة: دولة تقرر إبادة مدن كاملة بسكانها المدنيين خلال ثوانٍ لإرسال رسالة قوة إلى العالم. لم يكن الهدف العسكري وحده هو المقصود، بل كان الاستعراض المقصود للرعب، وتكريس فكرة أن هذه الدولة مستعدة لاستخدام أقصى أدوات الفناء الجماعي دون اكتراث بالإنسان أو بالمستقبل أو بالقانون الدولي.
إن استخدام القنبلة الذرية لم يكن خطأ تاريخيًا جرى تجاوزه، بل أصبح جزءًا من الذاكرة المؤسسة للعقيدة الأمريكية في الردع والهيمنة. فمنذ ذلك التاريخ، تعاملت هذه الدولة مع نفسها بوصفها فوق المساءلة، واحتفظت بحق امتلاك وتطوير وتحديث أسلحة الدمار الشامل، بينما تمنع غيرها من ذلك بالقوة والعقوبات والحصار. هذا التناقض الصارخ بين الفعل والخطاب يكشف مرة أخرى أن منطق “الدولة المارقة” ليس توصيفًا دعائيًا، بل توصيف لسلوك متكرر يرى في تدمير الإنسان وسيلة مشروعة لترتيب النظام العالمي.
ولا يقتصر هذا الانفلات على السياسة الخارجية وحدها، بل يمتد إلى البنية الداخلية للنخب الحاكمة، حيث تكشف فضيحة جيفري إبستين عن وجه آخر للدولة المارقة: دولة تحمي شبكات استغلال جنسي عابرة للمؤسسات، تتورط فيها شخصيات نافذة من عالم المال والسياسة والإعلام، وتُدار عبر الصمت المتبادل والملفات المغلقة والعدالة الانتقائية. فالقضية لم تكن مجرد جريمة أخلاقية فردية، بل منظومة كاملة من الحماية والتواطؤ، انتهت بإغلاق الأسئلة بدل فتحها.

إن خطورة فضيحة إبستين لا تكمن في الجريمة بحد ذاتها فقط، بل في الطريقة التي تعاملت بها الدولة معها. فحين يتحوّل اغتصاب القاصرات إلى أداة ابتزاز سياسي، وحين تُدفن التحقيقات وتُغلق الملفات في ظروف غامضة، فإننا لا نكون أمام فشل قضائي عابر، بل أمام نظام يسمح بانتهاك الجسد الإنساني طالما أن الجناة ينتمون إلى الطبقة المحمية. هنا، يصبح الإنسان مادة، والجسد ورقة ضغط، والعدالة قرارًا سياسيًا لا مبدأ أخلاقيًا.

ويكتمل هذا المشهد اليوم في الدعم العسكري المفتوح الذي تقدّمه الولايات المتحدة لإسرائيل، حيث فُتحت مخازن السلاح، وتدفقت الذخائر والقنابل المتطورة لتُستخدم بلا قيد ولا شرط في تدمير غزة وقتل سكانها. هنا لا يعود الحديث عن “حق الدفاع عن النفس” سوى ستار لغوي، لأن الوقائع على الأرض تُظهر سياسة قتل جماعي وتدميرًا بنيويًا، واستهدافًا ممنهجًا للمدنيين، في ظل غطاء سياسي أمريكي كامل، واستخدام متكرر لحق النقض لحماية الجريمة من أي مساءلة دولية.
إن الدولة التي سلّحت إسرائيل وهي تدرك مسبقًا طبيعة استخدامها لهذا السلاح، لا يمكن أن تدّعي الحياد أو الجهل. فالمشاركة هنا ليست أخلاقية فقط، بل قانونية وسياسية. إنها شراكة في الجريمة، وانعكاس مباشر لمنطق الدولة المارقة التي ترى في الدم الفلسطيني تفصيلًا ثانويًا في حسابات النفوذ. وما يجري في غزة اليوم ليس انحرافًا عن القيم الأمريكية، بل تطبيق عملي لها حين تتعارض حياة البشر مع مصالح القوة.
من هنا، لا يمكن قراءة فضيحة إبستين، ولا القنبلة النووية، ولا مشاهد الدمار في غزة، بوصفها أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة: سلسلة دولة قامت على نفي الآخر، واستمرت على إدارة العنف، وتقدّم نفسها اليوم بوصفها حامية القيم العالمية. وطالما بقي العالم متفرقًا، أو خاضعًا، أو صامتًا أمام هذه الدولة المارقة، فإن ثمن هذا الصمت سيظل يُدفع من دم الشعوب، وكرامة الإنسان، ومعنى العدالة ذاته.

الأكثر متابعة

All
الاطاحة "بداعشي" بارز  في مدينة الرمادي

الاطاحة "بداعشي" بارز  في مدينة الرمادي

  • أمني
  • 28 Mar
استشهاد واصابة 7 من مقاتلي الحشد الشعبي باعتداء صهيوامريكي في كركوك

استشهاد واصابة 7 من مقاتلي الحشد الشعبي باعتداء...

  • أمني
  • 28 Mar
استهداف صهيو-أمريكي لمقر الحشد الشعبي في كركوك

استهداف صهيو-أمريكي لمقر الحشد الشعبي في كركوك

  • أمني
  • 28 Mar
تمديد عمل خلية الأزمة 72 ساعة وتركيز الجهود في أربعة قواطع بديالى

تمديد عمل خلية الأزمة 72 ساعة وتركيز الجهود في...

  • أمني
  • 28 Mar
أوربا  تقول لا… وأرض الخليج  منصه  اعتداء   وخذلان !!
مقالات

أوربا  تقول لا… وأرض الخليج  منصه  اعتداء   وخذلان !!

وثيقة الارتهان ..حين تُباع السيادة تحت غطاء “التنسيق
مقالات

وثيقة الارتهان ..حين تُباع السيادة تحت غطاء “التنسيق

ضجيج الارتباك الأميركي حول المفاوضات، وحقيقة الموقف الإيراني الراهن..!
مقالات

ضجيج الارتباك الأميركي حول المفاوضات، وحقيقة الموقف الإيراني...

النفاق الفكري لآلهة الليبرالية..!
مقالات

النفاق الفكري لآلهة الليبرالية..!

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • ترندات
  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديو
  • كاريكاتير

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا