صناعة الاعلام بين تخريج موظفين واعداد مواطنين..!
كتب / حسين الذكر ...
في احد كليات الاعلام – قبل سنوات – دخل احد الطلاب متأخر للصف وكان يرتدي قميصا احمرا مطرزا بمفردات اجنبية تعبر عن الحب .. فوبخته الدكتورة بادب وبرسالة بليغة جدا قائلة : اذا ارتديت انت الأحمر ( الدلع ) فماذا تركت للنساء تلبس .. ثم التفتت المحاضرة الى طلابها قائلة : الاعلام رسالة حياة وفن اجتماعي لبلورة مرتكزات الحضارة وبث الوعي وتعزيزه لجعل المجتمع نابض بالقيم والجدية الحياتية الخلاقة .. لذا ينبغي ان تكون هناك معايير خاصة لقبول طلبة الاعلام كي يكون المتخرجين فاعلين قادرين على صناعة وسائل اعلام قادرة على استنهاض الهمم وتعميم ثقافات قيمية حضارية) .
ثم ضحكت الأستاذة بسخرية تستبطن الألم قائلة : ( البعض يتعاطى مع كليات الاعلام – للأسف الشديد – على انها مجرد حصول شهادة لأغراض التعيين والترفيع .. حتى قيل بتهكم – نام واخذ اعلام ).
سالني احد الشباب قائلا : ( انا طالب مرحلة رابعة اعلام .. وعندي امتحان قريب عن التقرير الصحفي الذي لم افهم منه شيء لضعف مقدرة وإمكانية مدرس المادة فارجو كتابة انموذج لتقرير صحفي يساعدني على فهمه ) . فقلت : ( ساعلمك مفهوم عام للتقرير الصحفي واتركك تكتب تقرير ثم اضع ملاحظاتي عليه وبهذه الطريقة ستكون قادر على تعلم الدرس وعدم نسيانه .. فلا يمكن ان اعلمك من اجل الامتحان فهناك وسائل عدة للحصول على النجاح دون عناء .. لا اريدك خريج اعلام .. بل اساعدك لتصبح صحفي واعلامي حقيقي وهناك فارق كبير بين المعنيين) .
في المواجهات المصيرية المواطنين يبحثون عن الخبر الرسمي الرافع للمعنويات الذي يسند الجبهات الداخلية ويوحدها … ليس اخبارا مفبركة وفقا لمعيار الصحة والتزييف ..
بل ينبيغ ان تنتقي الاخبار ذاتيا وفقا للانتماء الوطني والمصلحة العامة وان يكون الصحفي جدير بتحري ما يثبت مهنيته ويؤكد انتمائه للوطن وان يبادر ذاتيا بلا تكليف توظيف الخبر بمعزل عن أي معيار آخر لما فيه مصلحة الامة .. وقد اشتدت الحاجة الي بث الاخبار المعنوية التي تؤدي دورا لا يقل عن بنادق ومسيرات ورصاص المقاتلين في الجبهات .
قبل أيام حضرت محاضرة لاحد أستاذة الاعلام عن كيفية التفريق بين الخبر الصحيح والمزيف .. وعدد الأستاذ الكثير من النماذج التي يمكن ان يلجا لها المواطن لفحص ذلك .. وقد علقت بانتهاء محاضرته قائلا : ( لا يمكن لكل الطرق العلمية والتقنية ان تعلمك صحة الخبر من تزييفه سيما في ظل القدرات الإعلامية التواصلية الهائلة بالسرعة والدقة المعززة بالصورة والصوت والذكاء الاصطناعي .. فنحن امام ازمة أخلاقية انتمائية وليست مهنية تقنية فحسب .. فان لم يرتق المجتمع بحضارته لمستوى الاحساس الوطني العالي فلا يمكن لاي معلومة ان تؤدي الغرض بهذا الجانب) .
أيام ( الخروف ) العربي التي أطاحت ببعض الأسماء المحددة سلفا وحققت نجاحا ساحقا فيما لم تستطع الجماهير ان تفعله سابقا برغم كل محاولاتها الصادقة وتضحياتها الجسيمة .. في دلالة واضحة لا تقبل اللبس على انتقائية ورسم خارطة الأهداف المحددة بمنتهى الدقة والهدفية والاعداد المسبق الراقي وما يتطلب من احترافية عالية في التنفيذ ..
بناء على ما حدث في بعض الدول العربية سابقا جراء ما سمي تجنيا بالخريف العربي .. أقيم في بغداد ملتقى إعلامي حينها حضرته جهات رسمية ومتخصصين ومثقفين للحديث عن الاعلام في العالم العربي ودوره ومتبنياته وفلسفته وطرق تدريسه .. وقد أتاح لنا القدر الادلاء بمداخلة قصيرة لكنها كانت مؤثرة جدا لدرجة اربكت أجواء المؤتمر جاء فيها : ( بالوقت الذي بدا الاعلام الحديث يسقط حكومات ويهزم جيوش .. ما زالت جامعاتنا وكلياتنا ومؤسساتنا الإعلامية تدرس الاعلام على طريقة الهرم المعتدل والهرم المقلوب )