عندما تتحول العقيدة إلى خريطة، العودة إلى مكة!
كتب / فارس المهدي
تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي عن حق إسرائيل الديني في التمدد من النيل إلى الفرات ليس اجتهادا شخصيا ولا خطابا عاطفيا عابرا، بل هو تعبير مكثف عن عقيدة سياسية تتغذى على قراءة توراتية توسعية تجد صداها في أدبيات صهيونية معاصرة. ومن يعود إلى كتاب (العودة إلى مكة) للكاتب الصهيوني Dennis Avi Lipkin يدرك أن المسألة ليست شعارا دعائيا، بل مشروع سردي يراد له أن يتحول إلى وعي سياسي.
الكتاب لا يناقش التاريخ ببرود الباحث، بل يعيد تشكيله بوعي صاحب رسالة. فهو يضع مكة في قلب سردية توراتية توسعية، ويطرح رؤية لاهوتية تقوم على صراع أخروي حتمي ينتصر فيه شعب الله المختار، ويتحقق خلاله الوعد الإلهي بقيام دولة إسرائيل الكبرى وظهور الموعود المسايا. هنا لا نتحدث عن اختلاف في التأويل، بل عن إعادة رسم خريطة المنطقة بعين عقائدية تعتبر الجغرافيا امتدادا للوعد الديني.
الخطورة لا تكمن فقط في جرأة الطرح، بل في السياق الذي يتحرك فيه. عندما تتلاقى مثل هذه الأطروحات مع قوى صهيونية متشددة تحكم إسرائيل، ومع تيارات صهيونية مسيحية تؤمن بالسردية ذاتها، فإن الفكرة تتحول من نص على ورق إلى مناخ سياسي قابل للتفعيل. وعندها تصبح العبارات من قبيل (من النيل إلى الفرات) جزءا من خطاب رسمي يعتمد على مرجعية دينية.
الكتاب يقدم نفسه في هيئة قراءة تاريخية بديلة، لكنه في جوهره خطاب تعبوي. يعتمد على تأويلات لغوية انتقائية، ويربطها بخرائط قديمة بطريقة تخدم نتيجة مقررة سلفا. لا نجد فيه منهجا علميا راسخا في التاريخ أو الآثار، بل نجد مسارا يبدأ بالعقيدة وينتهي إليها، مرورًا بشواهد يعاد ترتيبها لتخدم الهدف.
وضع مكة في قلب هذه السردية ليس تفصيلا عابرا، بل رسالة رمزية واضحة. إنه توسيع لدائرة الصراع من نزاع على أرض إلى صراع على المعنى والقداسة والهوية. وهنا يتحول الدين من مرجعية روحية إلى أداة صراع جيوسياسي.
لهذا فإن قراءة هذا الكتاب لا ينبغي أن تكون بدافع الفضول الثقافي فقط، بل بدافع الفهم السياسي. فالأفكار التي تبدأ بتأويل ديني قد تنتهي بسياسة رسمية، والسرديات التي تبدو اليوم متطرفة قد تصبح غدا جزءا من خطاب القوة. والتاريخ يعلمنا أن الخرائط لا ترسم بالحبر وحده، بل ترسم أحيانا بالعقائد عندما تتحول إلى مشاريع دولة..