ازدواجية القرار بين طهران وبغداد..!
كتب / جعفر العلوجي ||
في السياسة تظهر معادن الدول من خلال طريقة تعاملها مع الضغوط الخارجية فحين تختبر الارادة الوطنية يتضح الفرق بين من يملك قراره ومن ينتظر اشارة من الخارج وهذه المفارقة تتجلى بوضوح عند مقارنة موقفين متشابهين في الظاهر لكنهما مختلفان جذريا في المضمون والنتيجة .
في الجمهورية الإسلامية الايرانية حين يعلن الرئيس الأمريكي رفضه لخيار معين داخل المنظومة القيادية ، لا يتحول ذلك الرفض الى معيار داخلي للقبول أو الرفض وانما على العكس ، غالبا ما يقرأ بوصفه تدخلا في السيادة الوطنية فيتجه صناع القرار الى تأكيد استقلالهم والمضي في خياراتهم دون الالتفات الى رضا واشنطن أو غضبها . فالمعادلة هناك واضحة القرار يصنع داخل الدولة وليس خارجها ،
أما في العراق فتبدو الصورة مختلفة الى حد كبير ، فعندما يصدر موقف أمريكي معارض لشخصية سياسية معينة يتحول ذلك أحيانا إلى عامل ضغط يدفع بعض القوى السياسية الى اعادة حساباتها والبحث عن بدائل يمكن أن تحظى بقبول خارجي ، وتطرح عندها مبررات متعددة من قبيل الواقعية السياسية أو تجنب الصدام الدولي لكن النتيجة النهائية غالبا ما تكون تراجع القرار الوطني أمام حسابات الرضا الخارجي .
هذه المفارقة لا تتعلق بشخصيات بعينها بقدر ما تتعلق بثقافة سياسية ، ففي الدول التي رسخت مفهوم السيادة يصبح التدخل الخارجي سببا للتمسك بالقرار الوطني لا للتراجع عنه أما في الدول التي ما زالت تعاني من هشاشة القرار السياسي ، فان الموقف الخارجي يتحول إلى عنصر مؤثر في تشكيل المعادلة الداخلية .
ان الحديث عن العزة الوطنية ليس مجرد شعار يرفع في الخطب أو البيانات ، الحقيقة هو اختبار عملي يظهر عند أول مواجهة مع الضغوط الدولية ، فالدولة التي تحترم نفسها لا تسمح بأن يرسم مسارها السياسي في العواصم البعيدة ، على العكس ان تصاغ خياراتها داخل مؤسساتها وبارادة أبنائها .
ومن هنا فان المفارقة بين التجربتين ليست مجرد حادثة عابرة ، والواقع هي مرآة تعكس طبيعة البنية السياسية في كل بلد ، وبينما تصر بعض الدول على أن يكون قرارها سياديا مهما كلف الأمر يبقى السؤال معلقا في التجربة العراقية متى يصبح القرار الوطني هو الفيصل الأول والأخير؟