برافو إيران.. فقد أثلجت قلوب شعوب مكلومة
كتب / سندس القيسي
لم يجرؤ أي زعيم عربي على تصويب طلقة تجاه إسرائيل خلال العقود الماضية (طبعًا غير الرئيس العراقي صدام حسين الذي أطلق صاروخين على تل أبيب)، وها نحن نرى بأم أعيننا كيف تنهال الصواريخ والمسيرات الإيرانية الصنع على كامل إسرائيل. إيران أثبتت أنها ليست كالدول العربية، تشتري الإنتماء والولاء بالدولارات. فإيران تفكر وتخطط وتبني استراتيجيات وتصنع تحالفاتٍ حقيقية وتنتج صناعات ثقيلة دون الإعتماد على الغرب ودون ان تهرول لإرضاء هذا أو ذاك من قادة الدول الأخرى، غربيةً كانت أم عربية.
قد نختلف مع إيران عقائديًا وطائفيًا بل حتى عرقيًا، وقد يكون لدينا بعض المآخذ عليها فيما يتعلق بمواقفها في العراق وسوريا وحتى لبنان لكن مما لا شك فيه أن إيران التي انكفأت على ذاتها طوال عقود، لم تقف مكتوفة الأيدي قلقة بشأن الحصار والعقوبات المفروضة عليها، وتنامي الأعداء والطامعين فيها. بل تحدت كل الظروف لتبني قوتها من الداخل، قبل الخارج. إيران أخجلت الأمة العربية، لأنها لم تخن نفسها ولا عقيدتها ولم تغير خطها السياسي ولم تكترث لكل الإنتقادات ولم تحيد قيد أنملة عن قناعاتها الراسخة المتينة. حتى لو كنا لا نتفق مع إيران، لأي سبب من الأسباب، إلا أنها اكتسبت إحترامنا قبل إعجابنا، فهي أثبتت للعالم أنها تعيش وتموت على ذات القناعات ولا تتلون ولا تراوغ ولا تغير نهجها، لأنها صاحبة رؤية وهذه الرؤية تخصها وهي ليست مستوردة أو مشتراة أو خاضعة لأي تهديد داخلي أو خارجي.
طوال عامين أو أكثر، رأينا بأم أعيننا أبشع جرائم الإبادة الجماعية في غزة، وسط مناشدات المواطنين والمقاومة الفلسطينية الذين استنجدوا بأخوانهم العرب دون جدوى.
نحن العرب أثبتنا أننا أمة ميتة، والجيوش العربية لم ولا تتحرك إلا حينما يداهم الخطر قادتها ورؤساؤها أو حين يريدون تكميم أفواه الشعوب العربية المشغولة بلقمة العيش. لكن لا أحد يستطيع أن يغطي الشمس بغربال. التقييم العربي الرسمي للأوضاع لا يخلو من مبالغة سواء فيما يتعلق في تقدير الأخطار الإيرانية على الشعوب العربية أو حتى التهديد الوجودي الإسرائيلي.
باعتقادي الراسخ لن تقوم لإسرائيل الكبرى قائمة، فلا يمكن من الناحية اللوجستية والعملية لثلاثين مليون يهودي في العالم حكم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ولن يسمح العالم الغربي بأن تسيطر دولة يهودية على أكثر المواقع الحيوية والإستراتيجية في العالم، هذا عدا الخيرات الكثيرة التي تمتاز بها منطقتنا.
إسرائيل الكبري بمفهومها المعنوي متحققة الآن، فمعظم الدول العربية المحيطة بها وقعت اتفاق سلام معها وأثبتت الأيام أن لا خطر على إسرائيل من هذه الدول الجارة والمجاورة. مهمة إسرائيل هي تفتيت العالم العربي، وتمزيقه وإثارة الفتن والفتنة فيه، وبعد أن يتحقق هذا الهدف، سيجد الغرب ذريعة للتخلص من إسرائيل ذات نفسها. علينا أن نعي ونستدرك ما زرع في قناعات الشعوب العربية من أن تحرير فلسطين (المستحيل) هو بوابة الوحدة العربية، في حين أن المعادلة يجب أن تكون بالعكس، على العرب أن يتحدوا من أجل تحرير فلسطين. لكن العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا!
لقد حرص الإستعمار الغربي على دعم قادة عرب غير أكفاء وغير قادرين على الحكم بدون تبعية. من المضحك المبكي أن نرى جليًا استجداء بعض الدول العربية للولايات المتحدة الأمريكية للدفاع عنها. والأخيرة تقبض الأموال وترفض. القواعد الأميركية في الدول العربية لا أحد يعرف ماذا يجري فيها، وواضح جدًا من جلبها للمنطقة. وبلا شك هذا كان إما لقصر نظر أو قلة حيلة. كلنا نعرف المقولة التي يرددها كثيرون؛ المال لا يشتري كل شيء. وليس المال كل شيء. وبالتأكيد، فإن القيادات العربية لا تحب أن تسمع أصوات المعارضة التي تحذر من هذا وذاك وفي الغالب يتم إسكاتها. لكن اليوم، يتبين لنا بشكلٍ جلي من كان مصيبًا ومن كان مخطئًا لكن بعد فوات الأوان والتاريخ لا يرحم أحد.