فضائيات بمقياس نتنياهو فهل سقطت القلعة الأخيرة؟
كتب / د. بسام روبين
لطالما آمنا بأن الإعلام هو المشرط الذي يستأصل الأورام السياسية والإجتماعية والإقتصادية قبل أن تستفحل في جسد الدولة، وأنه، إلى جانب التشريع والقضاء، يشكل أحد أعمدة التوازن والرقابة. فحين يتجاوز الحكم حدوده، يراقبه المشرع، ويكشفه الإعلام، ويحاسبه القضاء. لكن، ماذا لو تعطلت هذه التروس؟ وماذا لو أصبح كاشف الحقيقة هو ذاته من يتولى طمسها وتمريرها عبر غربال التضليل؟
إننا نعيش اليوم زمن الردة الإعلامية، حيث تحولت بعض الشاشات للأسف إلى منصات لا تعبر عن الرواية الوطنية ولا القومية ولا حتى القيم الدينية، بل باتت تصاغ وفق مقاييس نتنياهو في إنتقاء الخبر، وتوجيه السؤال، وإختيار الضيف. وهنا لم يعد الخلل عابرا، بل تحول إلى بنية متكاملة تدار بعناية، عنوانها الظاهر المهنية، وجوهرها الإنحياز.
وقد أصبح بنك الضيوف في بعض الفضائيات خنجرا في خاصرة الوعي الجمعي، إذ لا يستدعى هؤلاء لتحليل الوقائع بموضوعية، بل لتمرير رواية العدو بلسان عربي مبين ، فينتقى الضيف بعناية ليبرر القتل، أو يجلد الضحية، أو يروج لثقافة الهزيمة تحت لافتة الحياد والموضوعية، في حين أن الحقيقة تغتال على الهواء مباشرة.
وعندما يتحول المحلل إلى بوق غير مباشر لسياسات الإحتلال، فإننا لا نكون أمام تعددية في الآراء، بل أمام إختراق ناعم يستهدف العقول قبل الحدود ، ويعمل على كي الوعي، وإعادة تشكيل القناعات، حتى يصبح الإستسلام خيارا عقلانيا، والهزيمة قدرا محتوما، والعدو شريكا مقبولا ، والإعلام الوطني ليس ترفا، ولا حقل تجارب للبعض ، بل هو سلطة أخلاقية تعلو في مسؤوليتها على كثير من السلطات، لأنه الحارس الأول للوعي، والدرع الحامي للهوية ، وإن غيابه، أو إنحرافه نحو روايات مشبوهة، هو بمثابة إستقالة صريحة من الواجب القومي والإنساني ، وعندها، تتحول بعض الفضائيات من أدوات بناء إلى معاول هدم، تضعف المعنويات وتنسف الثوابت، عبر مذيعين يفتقرون للبوصلة، وضيوف يتقنون تزييف الوعي ،
وقد باتت الأمة، في ظل هذا الواقع، تعاني من يتم إعلامي، وأصبحت مكشوفة الظهر في معركة الوعي، وهي أخطر من معركة السلاح ، وهنا لا تكفي صرخة الغضب، بل نحتاج إلى وقفة مراجعة شاملة، تبدأ بتطهير بنك الضيوف من المروجين لثقافة الإستسلام، وتمر بإعادة الإعتبار للخبر الوطني الذي يضع مصلحة الأمة فوق إعتبارات التريند ، والإصطفافات الضيقة، ولا تنتهي إلا بترسيخ إعلام مهني حر ، لا يشترى ولا يباع في أسواق الولاءات الخارجية.
لكن السؤال الأخطر، الذي يجب أن يطرح بجرأة ، من الذي يتحكم ويدير الإعلام العربي اليوم؟ ولمصلحة من تدار هذه المنصات؟
وهل هي مؤسسات وطنية مستقلة فعلا، أم أنها رهينة التمويل السياسي والإقتصادي العابر للحدود؟ وهل ما نراه هو نتاج فوضى إعلامية، أم نتيجة هندسة واعية لإعادة تشكيل وعي المنطقة بما يخدم مصالح قوى بعينها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية، لأن إصلاح الخلل يبدأ بكشف مصدره ، فلا يمكن بناء إعلام وطني حقيقي دون إستقلال القرار التحريري، ولا يمكن إستعادة ثقة الجمهور دون شفافية في التمويل، ومحاسبة مهنية وأخلاقية صارمة.
وقد آن الأوان أن نتوقف عن إستهلاك إعلام تصنع أجندته بمقياس نتنياهو، وأن نعيد بناء إعلام يصاغ بمقياس الكرامة العربية، والعدالة الإنسانية، والواجب الوطني المقدس ، إعلام ينحاز للحقيقة لا للرواية المفروضة، ويقف مع الضحية لا مع تبرير الجريمة، ويصون الوعي بدل أن يعبث به.
حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية، وجنبها شر الإعلام المضلل، وألهمها القدرة على إستعادة بوصلتها في زمن إختلطت فيه الحقائق بالأوهام.