إعلام الحرب
كتب / صالح مهدي محمد
في اللحظة التي تنطلق فيها الرصاصة الأولى، لا يبدأ النزاع في الميدان العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل فضاءات الوعي والإدراك؛ إذ تدرك القوى المتصارعة أن كسب المعركة على الأرض لا يكتمل إلا بالسيطرة على السردية التاريخية والآنية لما يحدث. من هنا، تنبثق صحافة وإعلام الحرب كأحد أخطر وأعقد مجالات العمل الصحفي، حيث تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى كما يُشاع دائماً، ويتحول الصحفي من ناقل محايد إلى شاهد عيان، أو في بعض الأحيان إلى أداة في آلة ترويجية ضخمة تهدف إلى توجيه الرأي العام.
لم يعد الإعلام مجرد مرآة تعكس الواقع، بل أصبح فاعلاً أساسياً في تشكيله؛ فالآن لا تُخاض الحروب فقط بالدبابات، بل بما يُعرف بـ”حرب المعلومات”، حيث تُستخدم المنصات الرقمية لشن هجمات نفسية، وتفتيت الروح المعنوية للعدو، وحشد الدعم الدولي عبر سرديات بصرية وعاطفية مكثفة.
هذا الدور المحوري يضع مراسل الحرب أمام تحدٍ أخلاقي وجودي: كيف يحافظ على توازنه بين واجب نقل الحقيقة وبين انتمائه الوطني ؟ في كثير من النزاعات، يظهر مفهوم “الصحفي المدمج” الذي يتحرك تحت حماية جيش معين، مما يجعله يرى الحرب من زاوية واحدة فقط، ويحوّل تقاريره لا شعورياً إلى دعاية موجَّهة تخدم أهدافاً عسكرية محددة. إن إعلام الحرب المعاصر يعتمد بشكل مكثف على تقنيات التضليل لتزييف الحقائق أو تضخيم أحداث معينة، مما يضع المتلقي في حيرة أمام سيل من المعلومات المتناقضة التي تُبث على مدار الساعة.
ولا تقتصر صعوبة هذه المهنة على الجانب الذهني أو الأخلاقي، بل تمتد إلى الخطر الجسدي المباشر؛ فالصحفي في مناطق النزاع ليس محمياً دائماً بشارته الصحفية، بل قد تصبح هذه الشارة هدفاً بحد ذاتها لإسكات الشهود ومنع توثيق التجاوزات. لقد سجلت العقود الأخيرة أرقاماً قياسية في أعداد القتلى من الصحفيين، مما يثبت أن الكلمة لا تزال تخيف القوى المتحاربة أكثر من المدافع أحياناً، ناهيك عن الآثار النفسية المدمرة التي تلاحق هؤلاء المهنيين نتيجة رؤيتهم المباشرة للدمار والانتهاكات الإنسانية التي لا تُمحى من الذاكرة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبرز “صحافة المواطن” ومنصات التواصل الاجتماعي كبديل أو مكمل للإعلام التقليدي، حيث أصبحت الهواتف المحمولة توثّق الأحداث في لحظة وقوعها. ومع ذلك، فإن هذا التدفق العشوائي للمعلومات يُسهّل انتشار “الأخبار الزائفة”، مما يجعل دور الإعلامي المحترف أكثر أهمية من أي وقت مضى للتحقق والتدقيق، ومنع انزلاق المجتمعات نحو كراهية ممنهجة تُغذيها آلات الحرب الإعلامية. فصحافة الحرب في جوهرها ليست مجرد مهنة لنقل أخبار الموت، بل هي مسؤولية أخلاقية تهدف إلى تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية، لعلّ صرخة الضحية التي ينقلها الصحفي تكون سبباً في صمت المدافع يوماً ما.
وفي سياق التحولات المتسارعة، لم يعد المتلقي مجرد مستهلك سلبي للخبر، بل أصبح طرفاً فاعلاً في إنتاجه وإعادة تشكيله، إذ تسهم التعليقات والمشاركات في إعادة تدوير الحدث ضمن زوايا متعددة قد تُقوّي رواية ما أو تُضعف أخرى. هذا التداخل بين المنتج والمتلقي يخلق طبقة جديدة من التعقيد، حيث تتلاشى الحدود بين الحقيقة والتأويل، ويغدو الوعي الجمعي ساحة مفتوحة لإعادة كتابة الوقائع بصورة مستمرة.
كما أن التطور التقني، ولا سيما في مجالات التقنيات الحديثة ومعالجة الصور، أتاح إمكانات غير مسبوقة في صناعة المحتوى، سواء في توثيق الأحداث أو في التلاعب بها. وهذا ما يفرض تحديات إضافية على المؤسسات الإعلامية، التي باتت مطالبة بتطوير أدوات تحقق أكثر صرامة، حفاظاً على مصداقيتها، وصوناً لدور الإعلام بوصفه شاهداً لا صانعاً للوهم، ووسيطاً ينقل الحقيقة لا يعيد تشكيلها وفق أهواء القوى المتصارعة.