لماذا نحذر ايران من معظم الوسطاء العرب والمسلمين حتى لا يقعوا في مصيدة غزة ولبنان والعراق؟
كتب / عبد الباري عطوان
جاء الرد الإيراني السريع برفض كل التحركات المتصاعدة حاليا لوقف مؤقت لإطلاق النار والعودة الى مائدة المفاوضات مجددا وفق الشروط الامريكية الإسرائيلية مصيبا، ويعكس دراية معمقة بالأهداف الخطيرة خلف هذه التحركات المصيدة التي اختبأت خلف مشروع أعده أكبر مخادعين في الإدارة الامريكية وهما جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وستيف ويتكوف شريكه في السمسرة العقارية، اللذان تنحصر مهمتهما في خدمة المشروع الصهيوني.
HerdHerd
ترامب لجأ كعادته الى الوسطاء المسلمين، وخاصة تركيا باكستان المواليتين لبلاده، لاستخدامهم كأداة لخديعة الإيرانيين، مثلما لجأ الى الوسطاء العرب قبلهم لخديعة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتحقيق كل المطالب الإسرائيلية في الافراج عن المستوطنين الاسرى، وربع مساحة القطاع في إطار ما سمي في حينها تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار الذي اعده الثنائي كوشنر وويتكوف في الواجهة، وتوني بلير من خلف الستار.
***
الوعي الإيراني بهذه المخططات ودور الوسطاء الجديد في تسويقها بثوب إسلامي “مزور” و”مخادع” الذي تمثل في نفي قاطع لاي مفاوضات مع المعتدي الأمريكي والتأكيد على ان ايران، لُدغت من الثعبان الأمريكي مرتين، ولن تقبل بالخديعة للمرة الثالثة.
إبراهيم ذو الفقاري المتحدث الرسمي باسم قيادة خاتم الأنبياء التابعة للحرس الثوري، أكد هذا الوعي المطمئن عندما قال ان بلاده لن تعقد أي اتفاق مع أمريكا، وخاطب ترامب قائلا: “لا تسموا هزيمتكم اتفاقا، لقد انتهى زمن وعودكم الكاذبة المضللة”.
نعم، العدوان الأمريكي الإسرائيلي تعرض لهزيمة قاتلة، وفشل في تحقيق جميع أهدافه في اسقاط النظام او انهياره، ورفعه رايات الاستسلام، فاذا كان الصمود في وجه أكبر قوتين في العالم أحدها عالمية وهي أمريكا، والثانية إسرائيلية، مدعومة امريكيا واوروبيا لأكثر من 25 يوما، وتحويل تل ابيب والمدن الفلسطينية المحتلة الأخرى، ليس انتصارا، فما هو الانتصار اذن؟
تراجع ترامب “المخزي” عن تهديداته ومهلته بقصف وتدمير مراكز الطاقة في ايران جاء اول اعتراف “مبطن” بهذه الهزيمة، فالمنتصر لا يهرول الى مائدة المفاوضات بعد أيام معدودة من بداية الحرب، ويتقدم بمشروع لوقف إطلاق فوري للنار مكون من 15 نقطة تجسد محاولة يائسة لتقليص الخسائر، والخروج من هذا المأزق بأسرع وقت ممكن.
نبدأ من الآخر، وبعيدا عن ما يسمى بالتحليلات “الفذلكية” التي ترش على الموت سكر، نقول ان ترامب يريد انقاذ دولة الاحتلال الإسرائيلي من الفناء، وربما الاختفاء من خريطة الوجود كدولة قوية ومهيمنة على محيطها الجغرافي، بعد ان شاهد بأم عينه الحرائق الضخمة التي أحدثتها الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية والانشطارية الرؤوس في حيفا وتل ابيب وايلات وصفد وديمونا وعراد، واغلاق مطار بن غوريون، وهجرة عشرات، ان لم يكن مئات الآلاف من دولة الاحلام اليهودية عبر معبر طابا المصري، او ركوب البحر الى قبرص ومنها الى أمريكا اوروبا.
نتنياهو الذي كان يتبجح قبل شهرين بتطبيق النبوءة التوراتية بإقامة إسرائيل الكبرى، وتغيير منطقة الشرق الاوسط وفق المخططات الصهيونية، بات الآن يتحرك مثل الفأر يبحث عن مكان آمن تحت الأرض مثله مثل 7 ملايين صهيوني، ولا يتحرك الا في ملجأ محصن بالحديد والاسمنت تجنبا للاغتيال.
نتمنى على ايران المنتصرة، ونضع مليون خط تحت منتصرة، ان لا تقع في الخديعة الامريكية المدعومة عربيا واسلاميا للمرة الثالثة، وان تواصل الصمود والرد على العدوان ريثما يعترف المعتدي رسميا بالهزيمة، ويستجيب لكل شروطها، واولها رفع الحصار، واغلاق جميع القواعد العسكرية الامريكية في الجوار العربي المّستعمر أمريكيا، والنواطير العملاء، فالبند الأول في العقيدة الامريكية العسكرية الجديدة التي وضعها البنتاغون (وزارة الحرب) ينص على ان أي حرب تخوضها أمريكا يجب ان تكون قصيرة وسريعة ونظيفة (دون خسائر)، والصمود الإيراني كسر هذه العقيدة ودمرها بعد أشهر معدودة من نشرها، وما يثبت هذه الحقيقة، ان 66 بالمئة من الأمريكيين يعارضون انزلاق حكومتهم الى هذه المصيدة في ايران والشرق الأوسط، ولمصلحة صهيونية بحتة.
***
لا أحد يريد الحرب، خاصة الذين اكتووا بنارها مثلنا، أبناء العالمين العربي والإسلامي على ايدي الغرب واداته الصهيونية، وايران لم تتعرض لحرب واحدة وانما لعدة حروب من المحور نفسه، ولكن ثورتها الإسلامية صمدت لأكثر من 47 عاما تحت الحصار والمؤامرات، ولكننا نتمنى على قيادتها ان تكون على درجة عالية من الوعي، ولا نشك مطلقا بحكمتها في إدارة هذه الحرب التي نرى ارهاصاتها الأولية هذه الأيام، ونرى لزاما علينا تحذريها من معظم الوسطاء العرب والمسلمين الذين اثبتت التجارب على الأرض انهم أدوات ودمى في يد السيد الأمريكي الذي يريد تكرار “نجاحاته المسمومة” من خلال اتفاقات وقف اطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، والعراق المصحوبة بالوعود الكاذبة التي لا يجري تطبيقها على الاطلاق.
فعندما تتعرض حاملات الطائرات للقصف، وعندما تصل معظم صواريخ المقاومة الى أهدافها وتدمرها بعد اختراقها كل المنصات الصاروخية الإسرائيلية الدفاعية، وعندما يدخل المقاتلون الإيرانيون التاريخ بإسقاط طائرة الشبح “الف 35” درة صناعة الطيران الامريكية، وعندما تتجسد وحدة الساحات في أبهى صورها في لبنان والعراق وقريبا جدا في اليمن، فهذا يعني ان هزيمة العدوان ستكتمل في غضون أيام، اما التهديد بإرسال قوات “المارينز” الامريكية في غزو بري لإيران وجزرها، فسيعطي نتائج عكسية لو تم، لان معظم جنودها سيعودون الى اهاليهم بالتوابيت.. والأيام بيننا.