الجاسوس الذي يرافقنا دائماً..!
كتب / قاسم الغراوي
في زمن الحروب التقليدية، كان الخطر يأتي من الحدود أو من سماء العدو وأما اليوم فقد تغيّرت طبيعة المعركة اذ لم تعد المواجهة دائماً صاروخاً أو طائرة، بل أصبحت في كثير من الأحيان إشارة رقمية أو موقعاً جغرافياً أو مكالمة هاتفية قصيرة قد تتحول إلى خيط يقود إلى هدف كامل.
ولهذا فإن المرحلة الحالية تُعد من أخطر المراحل التي تمر بها قيادات الحشد والقوى الأمنية في العراق، حيث تتسع دائرة العمل الاستخباراتي غير المعلن ضدهم.
إن المشكلة لا تكمن فقط في قدرات الخصوم التقنية، بل في الاستهانة أحياناً بأبسط قواعد الأمن الشخصي والرقمي.
كثير من القيادات والعناصر ما زالوا يتعاملون مع الهواتف الذكية وكأنها أدوات عادية، بينما هي في الواقع أجهزة تتبع متطورة قادرة على كشف الموقع، وأنماط الحركة، وحتى شبكة العلاقات.
الهاتف الذكي اليوم يمكن أن يتحول – دون أن يشعر صاحبه – إلى جهاز مراقبة دائم.
فالتطبيقات، وخدمات تحديد الموقع، والاتصال الدائم بالإنترنت، كلها أدوات يمكن استغلالها لرسم خريطة دقيقة لتحركات الشخص.
بل إن بعض العمليات العسكرية في العالم خلال السنوات الأخيرة بدأت بمعلومة بسيطة: إشارة هاتف وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
ليس بالضرورة أن يكون هناك جاسوس بشري قريب من الهدف، فالتكنولوجيا قامت بالمهمة. صورة تُنشر، أو بث مباشر، أو مشاركة موقع، أو حتى اتصال طويل في وقت حساس، قد تكشف أكثر مما ينبغي.
ولهذا فإن الرسالة هنا ليست اتهاماً لأحد، بل تحذيراً واجباً في هذه اللحظة الحساسة:
إن أي قائد أو مسؤول أو عنصر ميداني يجب أن يدرك أن الأمن الرقمي أصبح جزءاً من الأمن العسكري.
هناك نقاط أساسية ينبغي الانتباه لها بشكل عاجل:
أولاً: تقليل استخدام الهواتف الشخصية في التنقلات والاجتماعات الحساسة، لأن الهاتف يكشف الموقع حتى دون إجراء مكالمات.
ثانياً: منع حمل الهواتف أثناء الاجتماعات المهمة أو العمليات الميدانية، وهي قاعدة تعتمدها جيوش كثيرة حول العالم.
ثالثاً: عدم نشر التحركات أو المواقع أو الصور بشكل مباشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لأن تحليل البيانات أصبح علماً متقدماً لدى أجهزة الاستخبارات.
رابعاً: ضرورة أن تتبنى الحكومة والمؤسسات الأمنية برامج تدريب جدية حول الأمن الرقمي والاستخباراتي، لأن التهديد اليوم مختلف عما كان قبل سنوات.
خامساً: إنشاء منظومة حماية تقنية للقيادات، تشمل أجهزة اتصال آمنة وبروتوكولات واضحة للحركة والاتصال.
إن التاريخ العسكري الحديث يثبت أن كثيراً من الاغتيالات أو الضربات الدقيقة لم تبدأ بطائرة مسيّرة، بل بدأت ببيانات… ومعلومة صغيرة والأخطر من ذلك أن العدو غالباً لا يحتاج إلى اختراق معقد، بل يعتمد على أخطاء بسيطة متكررة.
ولهذا فإن الرسالة إلى القيادات والآمرين والمسؤولين في الحكومة واضحة:
المرحلة الحالية ليست عادية.
الاستهداف لم يعد عشوائياً، بل يعتمد على جمع معلومات طويل المدى وأبسط ثغرة قد تتحول إلى خطر كبير.
إن حماية القيادات اليوم لا تعتمد فقط على الحماية العسكرية أو المواكب أو المقرات، بل تبدأ من الوعي ، وعي بأن الهاتف الذي في اليد قد يكون نافذة مفتوحة لمن يراقب.
وقد قال خبراء الأمن الرقمي جملة أصبحت قاعدة في هذا العصر:
“إذا كان هاتفك معك دائماً… فمكانك معروف دائماً.”
لهذا، فإن الانتباه لهذه النقطة لم يعد خياراً، بل ضرورة أمنية عاجلة فالمعركة الحديثة تُحسم أحياناً قبل أن تبدأ.