لغة الحرب وبلاغة النار
كتب / د. ادريس هاني
للحرب لغة، وإذن ففيها حقيقة ومجاز، والسيف حين يمتشق في الوغى، فهو أصدق أنباء من الكتب. وحين تنطق الحرب، تتراجع قيمة الكلام. لكن ماذا لو طال لسان المغالطة، وتطوح ما بين كلام الليل الذي يمحوه النهار. فالتحليل الاستراتيجي لا يتحمل تقوالا بالصباح وتقوالا بالمساء، لا بد من زمن موضوعي كي يطبخ الحدث على نار هادئة، كي يكشف عن نسقه الدلالي. أي مهزلة تلك التي يعكسها مسرح الهواة؟!
لقد وضعت الحرب الأخيرة خبراء الزيف على امتداد المارستان العربي في وضعية البهلوان. فالمحارب الإيراني يلعب الكرة بالميديا الكيدية، نبوءة تنطح نبوءة والحصيلة مهزلة. لا شيء أشد على النبوءة حين تكون بالتمني الكيدي، من صفعة المفاجأة. القارؤون للمشهد من هذه الفصيلة، لا يفعلون أكثر من عملية الإسقاط، مع أن الأرض كفت منذ عقود أن تتكلم “عربي”. لماذا يحملون وزر هزيمتهم لدولة أكثروا في هجائها حتى فقدوا الحس المشترك؟! لقد فرحوا قبل الأوان بسقوط بلد غير قابل للسقوط بكل المعايير التي يتعذر أن بستوعبها عقل عربي فقد مروءة الاعتراف. ولكن مكر التاريخ وحده كفيل بانقلاب الصورة.
لقد كان واضحا منذ البداية أن المنطقة تتعرض لعملية قيصرية لاستعجال خروج مولود خديج إسمه الشرق الأوسط الجديد. ولم يكن الأمر يتطلب أكثر من وجبة استغباء في بيداء عربية استيقظت ذات صباح على صيحة ربيع ديمقراطي باذخ بإشراف مباشر من الرجعية اللاديمقراطية. لقد دخلنا مرحلة المغالطة السياسية من أوقح أبوابها، وبلغ الاستهتار بالكيانات، حدا صار الرهان على الإمبريالية موضة، بل فهلوة سياسية قفز بموجبها اراذل القوم إلى سدة التدبير، مرحلة سوريالية من الاستحمار برسم الثورات الرثة.
كانت الآذان صماء حين قلنا حتى بححنا، بأن الإطاحة بدمشق يومها، هي بداية لاحتراق المنطقة، وبأن أحلام المراهقة السياسية لن تحجب مشروع الشرق الأوسط الجديد وما يعد به من خراب. كانت الآذان طويلة كحمر مستوحشة، لكنها صماء بلهاء. قالوا يومها بكل وقاحة: لقد التقت مصالحنا _ مصالح الدعاة_ مع مصالح الملة الابستينية، يعني بتعبير أدق، التقاء مصلحة السادة مع مصلحة العبيد، وهو ما يبشر بعودة العبودية السياسية إلى المنطقة، بقيادة شمشون الجبار. وكان الاستهتار بالأبعاد الجيوستراتيجية هو سيد الموقف؛ وهذا ما يفسر هذا الوضع المتشقلب من المواقف الاستدراكية البهلوانية، مواقف لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة الأوضاع الإقليمية كنسق. لقد تشظى المشهد في جغرافيا متهتكة سياسيا، بلهاء استراتيجيا.
كان عبد الله العروي دقيقا حين اعتبر أن السياسي يخشى من المؤرخ. فالمؤرخ يذكر ويتذكر، بينما السياسي – والمقصود به هنا محترف الدجل السياسي – يراهن على النسيان، وإذا ما أراد الانخراط في التذكر، فهو يمتطي سرديات غير تاريخية. إن اختفاء المؤرخ من المشهد، فتح المجال للنصب والاحتيال السياسيين.
كيف نكتب تاريخ هذه المحرقة انطلاقا من الوسط، دون استحضار البدايات؟! هذا ما تؤثث له الملة المراوغة التي تقتل الميت وتمشي في جنازته. فعندما تسمع متتالية استدراكية فجة، وكثرة: ولكن، وإن، ومع ذلك، ووو، فاعلم أنهم يتركون الباب مفتوحا لتكويعة في المستقبل. من حقهم أن ينزعجوا من موقفنا، لأن الاستقامة على الموقف ليست شأنا لملة السعادين التي تنط بين الأفنان. أخشى أن تتكرر الأخطاء، ونصبح أمام مسلسل من إعادة الإنتاج. فهناك حراس أشداء لأخطاء مضت، ومصممون على مزيد من الهنات.
المشهد البهلواني يفتح شهيتنا لبحث مسارات تطور فيروس المغالطة، أما الحقيقة، فهي اليوم تنهض بها لغة الحرب وبلاغة النار.