ازدواجية القوة وحدودها: من “تدمير إيران” إلى التفاوض معها
كتب / د. شهاب المكاحله
في بدايات الحرب، رسمت إدارة دونالد ترامب سقفاً عالياً من الأهداف: إسقاط النظام الإيراني، تدمير ترسانته الباليستية، القضاء على برنامجه النووي، وإنهاء نفوذه الإقليمي بما يشمل حلفاءه مثل حزب الله وحماس وأنصار الله الحوثيين. ثم أضيف هدف خامس لاحقاً: فتح مضيق هرمز بالقوة.
لكن بعد أسابيع من التصعيد، لم يبقَ من هذه الأهداف سوى خطابها — أما الواقع، فذهب في اتجاه مغاير تماماً.
من الحسم العسكري إلى التفاوض
التحول الأكثر دلالة لم يكن في الميدان فقط، بل في اللغة السياسية نفسها. من حديث متكرر عن “تدمير إيران” إلى إعلان الانخراط في مفاوضات مع قياداتها، نرى انتقالاً واضحاً من منطق الحسم إلى منطق الاحتواء. هذا التحول لا يعكس فقط براغماتية سياسية، بل يكشف حدود القوة حين تصطدم بوقائع معقدة على الأرض.
فشل الأهداف… أم سوء تقدير؟
لم يتحقق إسقاط النظام، ولم تتوقف الصواريخ الباليستية، ولم يُقضَ على البرنامج النووي — بل جرى الحديث عن ترتيبات لإدارة اليورانيوم المخصب. أما الأذرع الإقليمية، فما زالت فاعلة ومؤثرة. وحتى الهدف الرمزي والاستراتيجي بفتح مضيق هرمز بالقوة انتهى إلى حديث عن “إدارة مشتركة”.
السؤال هنا ليس فقط: لماذا فشلت الأهداف؟ بل: هل كانت قابلة للتحقيق أساساً؟ أم أن تقدير كلفتها وتعقيداتها كان قاصراً منذ البداية؟
كلفة الحرب: من تل أبيب إلى الخليج
أحد العوامل الحاسمة كان انتقال الضغط من الأطراف إلى المركز. الضربات التي طالت العمق الإسرائيلي—بغض النظر عن حجمها—أحدثت أثراً نفسياً وسياسياً لا يمكن تجاهله. وفي المقابل، دفعت دول الخليج ثمناً باهظاً مع استهداف منشآت الطاقة، ما وضع الاقتصاد الإقليمي على حافة اضطراب واسع.
حين تتعرض الطاقة—شريان الاقتصاد العالمي — للتهديد، تتحول الحرب من معركة جيوسياسية إلى أزمة عالمية. ارتفاع أسعار النفط، والحديث عن سيناريوهات كارثية، فرضا واقعاً جديداً لا يمكن لأي إدارة تجاهله.
الداخل الأمريكي: المحدد الصامت
لا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى الداخل الأمريكي. مع اقتراب الانتخابات، وتراجع الحماسة الشعبية للحرب، وتزايد الانقسامات داخل القاعدة السياسية، أصبح الاستمرار في التصعيد مخاطرة سياسية. التاريخ الأمريكي مليء بأمثلة على حروب انتهت ليس فقط بسبب الميدان، بل بسبب صندوق الاقتراع.
هل انتهت الحرب… أم تغيّر شكلها؟
رغم كل ذلك، يبقى احتمال “الخداع الاستراتيجي” قائماً. فالتحركات العسكرية لا تتوقف، والتعزيزات مستمرة، ما يفتح الباب أمام سيناريو مغاير: تهدئة تكتيكية بانتظار إعادة التموضع. في هذا السياق، لا يمكن استبعاد أن يكون التفاوض نفسه جزءاً من لعبة أوسع.
حدود القوة في عالم معقد
ما نشهده ليس مجرد تراجع تكتيكي، بل درس في حدود القوة. في عالم متعدد الأزمات، لم تعد الحروب تُحسم بالشعارات أو التفوق العسكري وحده. هناك اقتصاد، وسياسة داخلية، وتحالفات، ورأي عام—وكلها عوامل تعيد رسم مسار أي صراع.
الانتقال من “إسقاط النظام” إلى “التفاوض معه” ليس مجرد تغيير في الاستراتيجية، بل اعتراف ضمني بأن القوة، مهما بلغت، لا تستطيع فرض واقع يتجاهل تعقيدات الجغرافيا والسياسة معاً.