ما الذي يحصل حين تنقطع رواتب الموظفين ؟!
كتب / د. باسل عباس خضير …
في المتداول المحلي ، فان كلمة الموظفين تطلق على كل من يستلم راتب حكومي شهري ، فيتم الخلط بين الموظفين المدنيين والعسكريين وبينهم وبين غيرهم المستحقين وبين المتقاعدين ، ومن علامات هذا الخلط إن البعض يقدر عدد الموظفين ب 8 ملايين ، في حين إن عددهم 4 ملايين وعدد المتقاعدين اقل من 3 ملايين والمشمولين بالرعاية الاجتماعية بحدود المليونين ، وبغض النظر عن الخلط بين التسميات ، فان واقع الحال يتطلب من الحكومة الاتحادية دفع مرتبات شهرية لفئات العاملين في الدولة ، ليست منة او صدقة وإنما مستحقات واجبة الدفع بموجب التشريعات طالما المشمول مستمر بالدوام والشمول ، وتلزم الدولة باعتبارها صاحب العمل بتامين مستحقاتهم وبدون ذلك تعد مخالفة لقوانين التشغيل ، وان مجموع المدفوعات السنوية لهم تزيد عن 90 تريليون دينار وشكلت رواتبهم 70% من إجمالي نفقات موازنة 2025 ، وإذا كان عدد المستحقين 8 ملايين ومعدل عدد أفراد الأسرة العراقية 5- 6 فرد ، فذلك يعني حسابيا إن أكثر من 40 مليون عراقي ( على الأقل ) يعيشون على الرواتب الحكومية باعتبارها مصدرا للدخل ، ويشير ذلك من الناحية الإحصائية إن 87% من سكان العراق ( 46 مليون نسمة ) يعتمدون بشكل كبير على ما يدفع لهم من رواتب وأجور ومخصصات ، وباعتماد هذا الرقم ( حتى وان لم يكن دقيق جدا ) ، فان السؤال الذي يطرح نفسه كيف ستعيش هذه النسبة من سكان البلاد حين تنقطع عنهم الرواتب بأجل قصير او مستمر ؟! .
وبدءا لابد من القول إن طرح سؤال بافتراض إن الرواتب ستنقطع يوما يعد سؤالا ساذجا لحد كبير ، فإذا كان ذلك دارجا بموجب ما يردده البعض بتحليلات متشائمة او إشاعات ، فان هذا الاحتمال بعيد كل البعد عن العقل وعن معطيات العوامل الاقتصادية للبلاد ، فانقطاع رواتب الموظفين لا يمكن أن يحصل في الواقع الفعلي لأننا لسنا مجتمعات بدائية ، وإنما دولة لديها سلطات ومؤسسات وعليها مسؤوليات وتتعامل مع كل المتغيرات والبدائل ليس بشكل مثالي في كل الحالات ولكن بالحد المقبول على الأقل ، وما يقلق البعض بان الرواتب مهددة بالانقطاع في شهر ما ليس له أساس موضوعي ، ولا ( نقول ذلك وكأنما نتحدث كناطق حكومي ) ولكن من منطلق العقل استنادا لما هو موجود ، وإذا كانت بعض التصريحات تبني تقديراتها على الوضع الدولي والإقليمي الحالي فانه أيضا غير مقبول ، فالدولة قادرة على استمرار أدائها بمختلف القطاعات ومنها القطاع المالي لأمد غير محدود ، والبعض يقول كيف وصادرات النفط شبه مقطوعة في الوقت الحالي والصادرات الحالية من جيهان لا تعادل 10% من المجموع وان إعادة التصدير وقته غير معلوم ؟ ، والمنطق يقول إن وضع الحرب لا يمكن أن يستمر لوقت طويل فهي معارك وصراع لابد وان تكون لها نهايات وتأثيرها جزئي ، وهي تختلف عن وضع ( كورونا مثلا ) الذي شل الاقتصاد العالمي واثر على اقتصاد البلاد ، والمصالح الدولية الفردية والإقليمية هي التي ستنهي تلك الظروف وان استمرت لشهور في أسوا الاحتمالات .
ونشير بهذا الخصوص ، إلى إن هناك مصادر متعددة لتدفق الإيرادات في الوقت الحالي والعمل بها يكفي لتجاوز الأزمة ، فلدينا إيرادات مبيعات النفط التي تخص الأشهر السابقة التي لم تحول بعد ولدينا الإيرادات الداخلية التي يمكن تفعيلها بطريقة ما ، كما إن للبنك المركزي احتياطيات لأكثر من 90 مليون دولار ويمكن استخدامها لوقت الاضطرار فهي احتياطيات البلاد للأيام الشداد ، وإذا شحت تلك المصادر ( لا سمح الله ) ، فان العراق له مكانة اقتصادية واعتبارية معروفة وهو غني بالاحتياطيات النفطية والثروات وله قدرات معروفة في الاقتراض الخارجي بوساطة او بدون البنك الدولي وصندوق النقد ، ونضيف لذلك إن البلد حقلا واعدا للاستثمار وهناك أملاك ضخمة للدولة يمكن تسييلها وجذب الأموال من النقد المحلي والأجنبي ، ومن ينتقد سياسات الاقتراض عليه أن يراجع مديونية الدول الكبرى وما تحويه من أرقام ، أما أعداء الاستثمار فان تجارب العالم ومنها التجربة اليابانية تعطي الكثير من البراهين ، والدولة تستطيع جلب الأموال بصلاحيات البنك المركزي في الإصدار النقدي وفي توافقه مع الحكومة على تغيير أسعار الصرف ، وفي كل الأحوال فان الخيارات متعددة و نفترض بان الحكومة لديها القدرة على دفع المستحقات ، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة وجوب الدفع المنتظم والكامل باليوم المحدد كل شهر ، او الصرف الكامل دون حجب او تأجيل بعض الاستحقاقات التي لا تحدث ضررا بالغ و كبير ، فحين نطلب من الحكومة الإيفاء بكل المتطلبات فان من الحكمة التعاون معها بنكران الذات وقبول بعض التضحيات ، ولا ينكر تأثير التأخير في الإيفاء بالاستحقاقات الدستورية في كفاءة وفاعلية القرارات بهذا الخصوص ، فذلك يتأثر بوجود حكومة لتصريف الأعمال ليست بكامل الصلاحيات وفي ظل غياب موازنة 2026 ، رغم انقضاء ثلاثة شهور من عمرها للسنة المالية الحالية .
ومن يعلم فربما سينطبق المثل القائل ( رب ضارة نافعة ) على حالتنا ، فقد تكون العسرة المالية التي نمر بها البلاد توقظ الأفعال ، للانقلاب على السياسات المالية والاقتصادية التي تم العمل بها وأنتجت اقتصادا أحاديا ومشوها يعتمد على صادرات النفط ، وهناك عوامل ومحركات مهيأة للنهوض بمختلف القطاعات ، ومنها القطاع الزراعي الذي يجب أن يشهد نموا غير مسبوق في تحقيق الاكتفاء بعد أن انعم الباري عز وجل على بلدنا بأمطار الغيث ، التي تعزز المخزون المائي وتروي الخطط الزراعية ، ولدينا السياحة والصناعة الوطنية التي تتوافر عوامل نهوضها من مختلف الموارد والأنواع ، كما إن لدينا الموارد البشرية التي يجب أن تستثمر بالشكل المطلوب ، ووجود 8 ملايين من العاملين وعدد كبير من العاطلين المهيئين للتشغيل ليست عورة كما يرددها البعض ، وإنما نعمة يجب أن تتحول لمورد عظيم لتفجير طاقات العمل والإنتاج ، فالموارد البشرية من أغلى الثروات وتتحسر عليها الكثير من البلدان ، وينبغي وضعها في محلها الصحيح لكي تنتج دخلها على الأقل وما يفيض عن ذلك لتعزيز الناتج المحلي ، والنهضة الصادقة يجب أن تبدأ من نقطة العمل لتحويل النفط إلى وسيلة لتحقيق الغايات .