وثيقة الارتهان ..حين تُباع السيادة تحت غطاء “التنسيق
كتب / د. إلياس احمد …
ليست كل الأوراق التي تُوقَّع تحمل في طياتها مصلحة الوطن، ولا كل الاتفاقيات تُبرَّر بذرائع الأمن والاستقرار. ما يُسمّى بـ"لجنة التنسيق المشتركة" بين العراق لحماية القواعد الأمريكية يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل نحن أمام تعاون سيادي متكافئ، أم أمام وثيقة تُكرّس الارتهان وتُعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة؟
إنّ توقيع مثل هذه التفاهمات تحت ضغط الواقع الأمني أو التوازنات الدولية لا يمنحها شرعية أخلاقية ولا وطنية. فالدول تُقاس بقدرتها على صون قرارها المستقل، لا بمدى انخراطها في ترتيبات تُدار من خارج حدودها. حين تتحول حماية أرضك إلى مهمة مشتركة تُدار بإرادة غير خالصة، فإن السؤال لا يعود عن الأمن فقط، بل عن السيادة نفسها.
قد يقول البعض إن الضرورات تبيح المحظورات، وإن التحديات الأمنية تفرض شراكات مع قوى كبرى. لكن الفرق كبير بين شراكة قائمة على الندية والمصلحة المتبادلة، وبين ترتيبات تُشبه الوصاية المقنّعة. ما قيمة الأمن إذا كان ثمنه التنازل التدريجي عن القرار الوطني؟
إنّ العراق، بتاريخِه وثقله، لا يستحق أن يُختزل في موقع التابع. شعبه الذي قدّم التضحيات الجسام من أجل حريته، لا يمكن أن يقبل بوثائق تُشعره بأن سيادته محل تفاوض أو مساومة. المطلوب اليوم ليس فقط مراجعة مثل هذه التفاهمات، بل إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني ليكون نابعًا من الداخل، مستندًا إلى مؤسسات قوية وإرادة سياسية مستقلة.
ليست القضية رفض التعاون الدولي، بل رفض أن يتحول هذا التعاون إلى غطاء دائم لهيمنة غير مباشرة. فالأوطان لا تُحمى بعقود تُوقَّع في الظل، بل بإرادة شعوبها ووضوح خياراتها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام خطوة مؤقتة فرضتها الظروف، أم مسار يُراد له أن يصبح قاعدة دائمة؟ الإجابة ستحدد ليس فقط شكل العلاقة مع الخارج، بل ملامح السيادة.