الصراع الإيدلوجي بين محور المقاومةً والتحالف الأمريكي
كتب / د. نسيب حطيط ||
تتصاعد الحرب بين محور المقاومة “الإسلامي الشيعي” والتحالف الإسرائيلي _الأمريكي التي لا تقتصر على البعد الميداني العسكري ،بل توسّعت لتشمل الأبعاد الأيديولوجية والقيمية والثقافية وإلى أبعادٍ جغرافية وفكرية أوسع، لتخاطب الوعي العالمي بأسره متجاوزةً الأطر الطائفية والمذهبية، لتصل إلى مستوى من التأثير الدولي لم يكن متاحاً أو مطلوباً ولتتحوّل الحرب الى صراع بين حضارتين وثقافتين ومنظومتين من الأخلاق والقيم ،فثقافة وحضارة محور المقاومة ترتبط بالسماء ورسالاتها وثقافة التحالف الأمريكي_الإسرائيلي المتوحشة وغير الأخلاقية واللاإنسانية وتحاولان فرضها على العالم وقد استطاع “المذهب الشيعي” تحقيق امرين:
– المبادرة للمواجهة وعدم التبعية وفرض نفسه ،كطرف أساسي في أي حوار يتعلق بمستقبل الشرق الأوسط، ولم يعد ممكناً تجاوز رؤيته الكونية للعالم الرافضة للقطب الأمريكي المتوحش .
– استطاع حجز مقعده على طاولة حوار الحضارات، كمذهب إسلامي رائد وحضاري بعدما شوّهت الجماعات التكفيرية الإسلام كدين وحضارة وكمذهب يمثل الإسلام القرآني الذي لا يتبنى التكفير والقتل بل يتبنى القاعدة الإلهية (تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ) وامتلاكه القوة التي تحمي عقيدته ومشروعه الإنساني العالمي .
يتخذ الصراع بين محور المقاومة والتحالف الأمريكي_الإسرائيلي بُعداً عقائدياً وميدانياً يتجاوز حدود الطائفية والمذهبية ليصل إلى نطاق عالمي غير مسبوق، مؤثراً في وعي الشعوب وتوجهات الرأي العام الدولي،فقد أثارت هذه المواجهة الاستثنائية _ التي تعد الأبرز منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة أمريكا – تساؤلات جوهرية لدى النخب الفكرية ومراكز الأبحاث والمستشرقين حول هوية المسلمين الشيعة، ومرتكزات عقيدتهم، وكيفية ترجمتها إلى واقع سياسي وعسكري، حيث يطرح المهتمون تساؤلات حول طبيعة هذا النهج.
هل ان مقاومة”الشيعة” ،مغامرة متهورة أم نضالٌ واعٍ يستند إلى عقيدة استشهادية؟
هل ستفضي هذه المواجهة إلى إبادتهم، أم ستؤدي إلى تقويض الهيمنة الأمريكية وإسقاط مشروع ‘إسرائيل الكبرى’ وصولاً إلى إزالة “إسرائيل الصغرى ، تماشياً مع الرؤى الفقهية والسياسية التي أرست دعائمها المرجعيات الشيعية التي تعتبر الاعتراف بإسرائيل خروجاً عن الإسلام وشرّاً مطلقاً لا يمكن مهادنته.
كيف استطاع المذهب الشيعي ربط العقيدة بالتطبيق الميداني، وتحويل العقائد الغيبية ،كعقيدة الانتظار أو “المهدوية” واليقين بالوعد الإلهي بالنصر النهائي، واستحضار “كربلاء” كمخزون عقائدي وميداني لا ينضب وتثبيت المصداقية في الخطاب السياسي والعقائدي ؟
كيف استطاع المسلمون الشيعة ، تحصين الوحدة الإسلامية ومواجهة الفتنة “السنية_الشيعية” او التخفيف من حدّتها وفضح من يثيرها ،عندما تفرّدوا بالدفاع عن “السنّة الفلسطينيين” بينما سكت كل “السنّة” في العالم الذين شارك بعضهم ،بحصار غزة “السنيّة” وإبادتها!
كيف تجرأ الشيعة على خوض الحرب ضد أمريكا العظمى بينما صمت كل العالم بما فيهم الدول العظمى؟
لماذا تبرّع الشيعة بدمائهم ،لإنقاذ القضية الفلسطينية من الموت ؟
يشهد العالم تجربة فريدة من التناغم بين العقيدة والتطبيق ، وإتساقاً بين الخطاب الديني والأداء الميداني، واتحاد القول والفعل، وتطابق كلمات المنبر مع طلقات المتراس ،وحراسة الكلمة وعدم التراجع عنها ولو أدى ثمن حفظها وتعميمها إلى بذل الأرواح والأرزاق وفق منطق المنهج القرآني الذي يشتري من المؤمنين أنفسهم عندما يرى قابلية واندفاعاً في أن يبيع المؤمنون أنفسهم لله ،ابتغاء رضاه.
لقد أحيت الممارسة السياسية والعسكرية المعاصرة، للمسلمين الشيعة ،مرتكزات المدرسة السياسية العقائدية”لأهل البيت”ع” ذات الجذور القرآنية والنبوية والتي تتناقض مع المدارس السياسية الأخرى التي تعتمد النفاق والكذب وعدم الوفاء لأفكارها وشعاراتها، و تمتهن التنازلات عن الأخلاق والعقائد والمفاهيم ،مقابل غنائم سياسية واقتصادية ، التزاماً بالتحذير الإلهي في القرآن الكريم {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}،
والتزاماً بالسنة النبوية الشريفة “من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”، والمبادرة لتنفيذ هذه الأوامر الإلهية والنبوية ،عقائدياً وسياسياً واجتماعياً وميدانياً، وفق “فلسفة المقاومة الكربلائية” للإمام الحسين (ع) ” كعقيدة وأسلوب “ومثلي لا يبايع مثله” لتثبيت أن المُبايعة يجب أن ترتكز على المماثلة والتشابه في القيم والمواصفات والأخلاق والسلوكيات بين “المُبايِِع والمُبايَع،” فإذا تناقضت الصفات -خاصة في المبايَع- مع مواصفات المؤمنين والشروط القرآنية والنبوية والإمامية، تم تحريم المبايعة ، ووجوب المواجهة والتصدي الفكري والسياسي ، وصولاً إلى المواجهة العسكرية وفق ما تقتضيه المصلحة الإسلامية في حفظ الدين وأهله.
يخوض الشيعة حرب الدفاع عن الإسلام والإنسانية وليس حرب الدفاع عن المذهب وينجزون في ساحة الصراع الإيديولوجي والحضاري ، انتصارات كبرى ،بالتلازم مع انجازاتهم الأسطورية في الميدان مع أنهم يدفعون الأثمان وحدهم!