وقف الحرب أم هدنة
كتب / د. أماني سعد ياسين
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ منذ ساعات ما بين أمريكا والجمهورية الإسلامية في إيران بعد حرب طاحنة طالت مدة 40 يوماً كاملة دخلت فيها المقاومة الإسلامية في لبنان ودخل فيها محور المقاومة كاملاً في العراق واليمن والشام تحت شعار المثاونة لوقف الحرب كاملةً في المنطقة ككل. وبعدما تعالت التهديدات من الطرفين الامريكي والإيراني حتى أقصاها ووصلت إلى حدِّ تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بإرجاع الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى العصور الوسطى بمعنى تدميرها بالكامل حتى انه قال وبالحرف الواحد أنَّ حضارةً بأكملها سوف تُمحى عن وجه الأرض (!!) وما قابلها من تهديدات إيرانية شجاعة بتدمير كل مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وكذلك شركات النفط والغاز كشركات أرامكو وغيرها وتكبيد المنطقة والعالم كلّه أثماناً باهظة في حال تعرّض البنى التحتية في إيران للضربات الأميركية.
وما حصل لم يكن مستبعداً أبداً فقد كان انسحاب أمريكا من الحرب الدائرة هو الاحتمال الأقرب للوقوع حتى لو انسحب منفرداً وترك اللاعب الإسرائيلي لشأنه كما فعل في السابق في اليمن وبعدما ارتفعت الأثمان أثمان هذه الحرب التي بدأها ترامب ونتنياهو على الجمهورية الإسلامية في إيران من دون أي غطاء قانوني أو دولي من الأمم المتحدة ومن دون مشاركة من الدول الأوروبية أو حلف الناتو واستمرار هذا الأمر حتى كتابة هذه الكلمات اي بعد شهر كامل وأربعة أيام وقت إعلان وقف إطلاق النار وبشروط إيران العشرة.
وكذلك ليس مستبعدا أبدا محاولة الالتفاف الإسرائيلي على هذا الإتفاق وهو ما دل عليه إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو في الصباح الباكر بأن هذا الإتفاق لا يشمل الجبهة اللبنانية في سعي واضح وصريح منه لفصل الجهتين اللبنانية والإيرانية ظنا أنّه بذلك يعطي نفسه أحقية المضي بمشروعه العدواني تجاه لبنان وكذلك مشاريعه الأخرى في المنطقة.
وهذا بالطبع لن يحصل فمفاعيل هذه الحرب الطاحنة لن تكون أبداً محدودة بإيران وحدها بل إن مفاعل هذه الحرب ستكون أكبر من ذلك بكثير وبين قول الوسيط الباكستاني الواضح أن وقف إطلاق النار يشمل إيران ولبنان والعراق وكل المنطقة فإن منطق وقف إطلاق النار الشامل هو من سيفرض نفسه على كل المنطقة وليس ذلك بمنّةٍ من أحد بل لأن محور المقاومة فرض بالقوة هذه التغيرات في الإقليم. وأول المستفيدين من نتائج هذه الحرب سيكون لبنان وذلك عبر فرض الإنسحاب على العدو الصهيوني من كل الأراضي التي احتلها مؤخراً وكذلك الأراضي التي احتلها بعد الحرب الكبرى في العام 2024 أي بعد حرب إسناد غزة ومعروف أن العدو تمدّد داخل الأراضي اللبنانية بعد وقف إطلاق النار السابق وبنى قواعد له داخل الأرض اللبنانية سميت بالنقاط السبع وهي في الواقع أكثر من ذلك بكثير. كما أن وقف إطلاق النار الحالي يجب أن ينهي ويوقف الاعتداءات والغارات المتكررة وعمليات القتل المتكررة في الداخل اللبناني او ما عرف ب” حرية الحركة” الإسرائيلية تجاه حزب الله اللبناني. هذا إن طبق او استمر وقف إطلاق النار الحالي فعلياً ودون ذلك أيام فاصلة ووقائع ميدانية قد تفرض وقف إطلاق النار في كل المنطقة أو يعود الحال إلى ما وصل إليه في الأيام الأخيرة. المسألة ما زال يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد وخصوصاً مع محاولات نتنياهو للاتفاق على الإتفاق ويأتي السؤال هنا هل هناك أيضا توافقاً أمريكيا إسرائيليا مبطناً شبيها بما كان عليه الحال منذ سنتين وقت إتفاق النار ما بين لبنان والكيان الغاصب لفلسطين والأرض اللبنانية والذي أدى إلى تفرد الكيان بالاعتداء على لبنان والشعب اللبناني من دون أي رد مقابل من المقاومة اللبنانية والجيش اللبناني.
وما يغلب نظرية الوقف الكامل للحرب الدائرة في كل المنطقة هو السبب في تشدد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعدم قبول وقف إطلاق في السابق وحتى عدم القبول بالتفاوض طيلة المدة الزمنية السابقة حيث كان الرئيس الأمريكي هو الوحيد الذي كان يتحدث يمنطق التفاوض وكأنه كان يفاوض نفسه حتى الأيام الاخيرة التي حصل فيها وقف إطلاق النار بعد تصعيدات ميدانية وكلامية متقابلة.
والدليل على هذه النظرية رصد إطلاق صواريخ إيرانية بعد إعلان وقف إطلاق النار تجاه الوسط الإسرائيلي وكما صدر عن مصادر إسرائيلية بأنها تحاول تجنب صواريخ إيرانية أُطلقت على منطقة ديمونا والنقب يوم الأربعاء بعد وقف إطلاق النار وبعد كلام نتنياهو عن عدم شمول لبنان في الإتفاق.
وبغض النظر عن إعلان نتنياهو هذا وعن الصواريخ الإيرانية فإن وقف إطلاق النار لا يمكن نفاذه في لبنان قبل الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة وقبل وقف الاعتداءات الصهيونية بشكلٍ كامل البرية والجوية منها وكذلك الهجمات الجوية بالمسيّرات وقتل اللبنانيين في منازلهم وسياراتهم وعلى الطرقات ولا ننسى طلعات الMK التي اعتاد اللبنانيون على التعايش معها حتى دخولها الى منازلهم طيلة عامٍ ونصف العام بعد وقف إطلاق النار الاول بين لبنان والكيان في العام 2024 . كما يجب إطلاق سراح جميع الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية الذين أسرتهم إسرائيل خلال الحرب الماضية والحالية وحتى تحقيق ذلك لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان.
والأغلب أنه لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في لبنان والمنطقة كلها إن بقيت هذه الاعتداءات وإن لم يرجع اللاجئون اللبنانيون إلى آخر نقطة في قراهم على الحدود اللبنانية الفلسطينية وإن لم تتم عملية إعمار القرى الجنوبية المهدّمة بالكامل وعودة اللبنانيين إلى منازلهم التي هجِّروا منها بفعل هذه الحرب الطاحنة.
وهناك عوائق أخرى كثيرة تقف في وجه ثبات إتفاق وقف إطلاق النار هذا منها دفع تعويضات الحرب لإيران بسبب الإعتداء عليها وكذلك الإتفاق على وضع مضيق هرمز وهو حق لإيران ولعمان وقد توافقتا عليه والباقي هو تنفيذ وتطبيق هذا الحق على أرض الواقع فعلياً وهذا هو أقل نتيجة لهذه الحرب الإرهابية على المنطقة. وغير ذلك مصير القواعد الأمريكية في المنطقة التي تتآمر بالتعاون مع الكيان الغاصب لفلسطين ليلاً نهاراً على دول المنطقة الإسلامية وقد ظهر بكل وضوح شعارات الرئيس الأمريكي ترامب وسياسييه العنصرية المغلّفة بشعارات دينية معادية للإسلام ولأهل المنطقة بغالبيتهم المسلمة. وقبل ذلك شعارات نتنياهو التلمودية ورفع لواء محاربة المعاليق وقتل الأطفال والنساء والشيوخ منهم على أنه واجب تلمودي هذا غير رفع شعار تغيير منطقة الشرق الأوسط الكامل وأنه بطل هذه المعركة الكبرى حتى رفع خارطة إسرائيل الكبرى التي تصل إلى أراضي المملكة العربية السعودية.
أحلام واطماع نتنياهو قضت عليها هذه الحرب الأخيرة من دون رجعة بإذن الله بسبب توحد جبهة المقاومة لهذا المشروع الأمريكي الصهيوني التوسعية والتي برزت بوضوح في شعارات ودعوات علنية على لسان مسؤوليهم بالصوت والصورة.
أسبوعان حاسمان قبل تحقيق وقف دائم وشامل لإطلاق النار في المنطقة الذي إن حصل بسبب الصمود العسكري على الجبهتين الايرانية واللبنانية وبسبب انخراط المحور المقاوم بالكامل في مواجهة محور الإستعمار وتوابعه فهو سيؤدي الى تكريس الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة إقليمية ودولية قوية ذات تأثير كبير على المنطقة وكذلك تكريس منطق المقاومة في كل المنطقة وقطع يد الإحتلال الصهيوني ونظرياته وطموحاته التوسعية في كل المنطقة على حساب دول المنطقة.
المفاوضات المقبلة في باكستان التي أثبتت نفسها كوسيط يجب أن تكرِّس حقوق أهل المنطقة ببلادهم وذلك بعد دفع أثمان باهظة بالأرواح وبالمال والأرزاق والإمكانات حيث يجب إستثمار هذا الصمود الميداني الأسطوري لحلف المقاومة في المنطقة على طاولة المفاوضات فإن لم تُحصَّل هذه المكاسب السياسية استراتيجياً كنتيجة للصمود العسكري الميداني نعود إلى المربع الأول ويكون إتفاق وقف إطلاق النار هذا هدنة مؤقتة يستجمع فيه العدو أنفاسه وقوته حتى إعلان حربهم المقبلة على إيران ولبنان ودول المنطقة الأخرى وهذا ما تعيه إيران ولبنان بمقاومته وكل دول المنطقة.