هل سيذهب الوفد الإيراني الى “اسلام اباد” للقاء نظيره الأمريكي بعد مجزرة لبنان؟ ولماذا أقدم نتنياهو عليها بعد ساعات من وقف اطلاق النار؟
كتب / عبد الباري عطوان...
هذه المجازر التي ارتكبتها الغارات الإسرائيلية في لبنان يوم أمس الأربعاء وأدت الى استشهاد 254 شخصا واصابة 1165 آخرين، اغلبيتهم الساحقة من المدنيين الأبرياء، وبعد ساعات معدودة من قرار وقف إطلاق النار بين ايران وامريكا لمدة أسبوعين، بوساطة السيد شهبار شريف رئيس وزراء باكستان، هذه المجازر تؤكد مجددا ثلاث نقاط رئيسية:
الأولى: الولايات المتحدة قبلت بهذه الهدنة ليس لتحقيق وقف فعلي للعدوان الذي تشنه مع إسرائيل ضد ايران، وانما لإنقاذ ماء وجه ترامب الذي تحول الى مسخرة عالمية، وأهان الولايات المتحدة الامريكية بتهديداته البهلوانية بالتدمير الساحق، وفتح أبواب جهنم، وازالة ايران وحضارتها من الكرة الأرضية، وهي تهديدات مرفوقة بفترات زمنية أقدم على تمديد آخرها أكثر من أربع مرات.
الثانية: رسالة دموية من نتنياهو يريد من خلالها ليس وأد هذا الاتفاق بعد ساعات من التوصل اليه، وانما التأكيد انه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وان ترامب الذي يعتبره نتنياهو خادما عنده، لا يملك قرار الحرب والسلام في منطقة الشرق الأوسط.
الثالثة: الوسطاء، والعرب والمسلمين منهم، مجرد دمى في يد دولتي العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وشهود زور لا يمكن الاعتداد بأقوالهم، وشهاداتهم، والمقصود هنا شهباز شريف رئيس الوزراء الباكستاني الذي أكد ان وقف اطلاق النار المتفق عليه بين أمريكا وايران بوساطته شخصيا ينطبق على لبنان أيضا، ويشملها في رد على تبني ترامب وحكومته للرواية الإسرائيلية.
***
حذرنا ايران، الدولة الإسلامية الشقيقة، أكثر من مرة في هذا المكان من الغدر الأمريكي الصهيوني، ومن اللدغ للمرة الثالثة من الجحر نفسه، ونحن ندرك جيدا انهم يدركون هذه الحقيقة فعلا، ولكن المثل الذي يقول “ان من يده في النار غير الذي يده يده في الماء”، ينطبق على القيادة الإيرانية التي تؤمن بإتخاذ كل الاحتياجات اللازمة لوقف الحرب التي لا يريدها أحد، وحتى لا تتحمل مسؤوليتها وما يترتب عليها من التزامات قانونية.
كنا وما زلنا نؤمن بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي لا تريد وقف هذا العدوان حتى يحقق جميع أهدافه، وأبرزها تغيير النظام، وإجتثاث البرنامج النووي والصاروخي الإيراني من جذوره، وانهاء التهديد الوجودي الإيراني لها، وتحويل ايران الى دولة فاشلة مثلها مثل ليبيا وسورية، مقطعة الأطراف تسودها الفوضى السياسية والعسكرية، ولهذه الأسباب، منفردة او مجتمعة، سارعت الى قصف هذا الاتفاق الإيراني الأمريكي بالصواريخ والطائرات التي أطلقتها باتجاه لبنان وحزب الله وحاضنته الشعبية الوطنية الدافئة.
ان يرد “حزب الله” بإطلاق 30 صاروخا فجر اليوم الخميس لقصف المستوطنات الإسرائيلية شمال الجليل الفلسطيني المحتل، استئنافا لقصفه الصاروخي والمسيّراتي الذي بدأه منذ اليوم الأول للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران في 28 شباط (فبراير) الماضي، تأكيدا على وحدة الساحات، فهذا الرد يؤكد على فشل العدوان الإسرائيلي السابق على لبنان قبل عام ونصف العام، الذي بدأ بحربي البيجرات والاغتيالات، في القضاء على المقاومة الإسلامية اللبنانية، واخراجها من المعادلات العسكرية والسياسية في لبنان والمنطقة، وهذه العودة العسكرية القوية للحزب التي نراها حاليا، تأتي ردا مُفحما وعمليا وميدانيا، لكل السذج الذين اكدوا بكل الطرق والوسائل، وتبادلوا التهاني بانتهائه، وخروجه الكلي من المعادلات السياسية والعسكرية في لبنان والمنطقة بأسرها.
ندرك جيدا ان فرص ذهاب الوفد الإيراني الرسمي المفاوض بقيادة محمد باقر قاليباف رئيس مجلس الشورى الإيراني أكبر بكثير من فرص المقاطعة، لان ايران تتبنى كدولة نظرية “نعم.. ولكن”، ولهذا لن نطالبها بعدم الذهاب الى مصيدة المفاوضات مع أمريكا التي جرى نصبها لها في اسلام اباد بتخطيط من المكر الصهيوني الشهير، ومشاركة السلطات الباكستانية “المسلمة” للأسف.
ان تصمد ايران 41 يوما في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي، وتدمر صواريخها الفرط صوتية والانشطارية الرؤوس معظم تل ابيب الكبرى والبنى التحتية الاستراتيجية لمدن حيفا وعكا وايلات وبئر السبع وعسقلان واسدود، فهذا انتصار كبير يضع بداية النهاية للكيان العنصري الإرهابي الصهيوني، والهيبة الامريكية، ومن يتخذ قرار الحرب، ويكون على العهد، ولا يتردد، مطلقا في قصف تل ابيب، فلا خوف عليه من المصائد الصهيونية الامريكية، ولعل هذا القصف الصاروخي المكثف لحزب الله والرد الفوري على المجزرة الإسرائيلية في لبنان يؤكد كل ما نقول، ويأتي في إطار الحق المشروع في الدفاع عن النفس، وربما بالاتفاق مع الحليف الإيراني أيضا.
***
ما يؤلمنا ان يعقد مجلس الوزراء “اللبناني” اجتماعا طارئا، برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون وحضور رئيس الوزراء نواف سلام، ليس لإصدار قرار للجيش اللبناني بالتصدي للعدوان الإسرائيلي وتوفير الحماية للشعب اللبناني، والدفاع عن السيادة للدولة اللبنانية، وانما للتأكيد على حتمية نزع سلاح المقاومة، وحصر حمل السلاح في يد القوى الشرعية فقط، هل هذا وقته.. على الأقل اصمتوا احتراما لأرواح الشهداء ودمائهم.. وتوقفوا عن استفزاز غالبية اللبنانيين.
نتعفف في الرد على هذه المواقف المخجلة، وفي هذا التوقيت، والظروف الحالية، ونكتفي بالقول بأننا لن نهبط الى هذا المستوى المتدني في الوطنية، والشهامة، والدفاع عن جميع أبناء الشعب اللبناني الذي تقول هذه الدولة انها تمثله وتنطق بإسمه.