الحاكم بين الرغبة في التقدير والهَوَسُ في المديح..!
كتب / د. حميد الطرفي ||
ليس الحاكم أو المسؤول مَلَكاً مقرباً أو صفياً اختاره الله من بين البشر ليعصمه من الزلل فهو مثلنا لديه ما لدينا من الغرائز وعنده ما عندنا من المشاعر يحب أن يُشكَر على ما يُنجز من أفعال الخير ويكره أن يُذَمُّ على فعل لم يأت به.
المشكل الحقيقي هو في جنوح السلطان لحب المديح حد الهَوَس ورفضه النقد حد الانتقام والبطش؛
ولذا فلا غرابة أن يفرد التاريخ قصصاََ نادرة لاولئك الأمراء الذين زانوا السلطة والإمرة بسعة صدورهم فتجاوزوا عمن أساء إليهم وعَفَوْا عمن ذمهم بغير حق.
وإذا أغمضنا أعيننا عن النبيين والوصيين لأنهم تأدبوا بأدب الله فأحسن تأديبهم وعصمهم من الزلل ففي التاريخ كثير غيرهم وهذه رائعة من روائع التاريخ قابلة للتصديق وحَريّة بأن يطلعَ عليها كل حاكم أو مسؤول ليروّضَ نفسه ويبني قواعد سلطانه :
كان معن بن زائدة أميرًا على العراق، فقدم إليه إعرابي ذات يوم يمتحن حلمه، فلما وقف قال:
أتذكر إذ لحافك جلد شاةٍ ….وإذ نعلاكَ من جلد البعيرِ
قال معن: أذكر ذلك ولا أنساه.
فقال الإعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكًا… وعلمّكَ الجلوس على السريرِ
قال معن: سبحانه على كل حال.
فقال الإعرابي:
فلست مسلِّمًا إن عشتُ دهرًا … على معنٍ بتسليم الأميرِ
قال معن: يا أخا العرب السلام سُنّة تأتي بها كيف شئت.
فقال الإعرابي:
سأرحل عن بلادٍ أنت فيها… ولو جار الزمان على الفقيرِ
قال معن: يا أخا العرب إن جاورتنا فمرحبا بك، وإن رحلت فمصحوب بالسلام.
فقال الإعرابي:
فجُدْ لي يا ابن ناقصةٍ بشيءٍ… فإني قد عزمت على المسيرِ
قال معن: أعطوه ألف دينار يستعين بها على سفره.
نعم القانون يُجرّم إهانة السلطات الثلاث (226/عقوبات) ولكن الحديث عن ذات السلطان لا عن سلطته وعن تقريبه لمن يمدحه ولو بغير حق وبطشه بمن يذمه ولو بحق .