بين ضجيج السلطة… مشروع التجنيد الإلزامي يزحف في الظل
كتب / علي الحسناوي ...
في اللحظة التي تنشغل فيها القوى السياسية بملف تشكيل الحكومة، وتتصاعد فيها الخلافات حول تسمية رئيس الوزراء، يظهر مشروع قانون “خدمة العلم” فجأة إلى الواجهة. ليس كأولوية وطنية مُعلنة، بل كملف يُدفع به بهدوء وسط ازدحام المشهد. وهنا، لا يبدو التوقيت تفصيلاً عابراً.
أي صدفة هذه التي تجعل قانوناً بهذا الثقل يُطرح بينما الأنظار مصروفة إلى صراعات السلطة؟ وأي براءة يمكن افتراضها في توقيت يُشتبه بأنه اختير بدقة، حيث تمرّ القوانين الكبيرة غالباً حين ينشغل الجميع بمعارك أخرى؟
مشروع التجنيد الإلزامي ليس مجرد نص قانوني تقني، بل ملف مثقل بذاكرة العراقيين. ذاكرة المعسكرات القسرية، والانضباط المفروض بالقوة، وسنوات كانت فيها الخدمة العسكرية مرادفاً للإكراه أكثر من كونها واجباً وطنياً. هذه الذاكرة لا يمكن القفز فوقها بشعارات من قبيل “بناء جيل منضبط” أو “تعزيز المؤسسة العسكرية”، مهما بدت براقة في ظاهرها.
التجارب علمت العراقيين أن الشعارات الكبيرة قد تخفي وراءها أهدافاً مختلفة. فهل نحن أمام تشريع أمني فعلاً يستجيب لحاجة الدولة؟ أم محاولة لإعادة رسم موازين القوة داخل المنظومة الأمنية؟ أم خطوة ضمن ترتيبات أعمق قد تمس التوازنات القائمة، بما فيها موقع قوى مثل الحشد الشعبي في المستقبل؟
الأسئلة هنا ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة. لأن القوانين التي تُشرّع في لحظات الارتباك غالباً ما تحمل آثاراً بعيدة المدى، تتجاوز بكثير اللحظة التي وُلدت فيها. والتاريخ القريب مليء بأمثلة لقوانين مرت بهدوء، ثم تحولت لاحقاً إلى أدوات مؤثرة في بنية الدولة والمجتمع.
المقلق ليس فقط مضمون المشروع، بل الطريقة التي يُقدَّم بها. غياب نقاش مجتمعي واسع، وافتقار إلى وضوح كامل حول أهدافه وتداعياته، يفتح الباب أمام الشكوك. فالقوانين التي تمس حياة الشباب بشكل مباشر لا يمكن أن تُمرر كملف عابر، أو تُختزل في شعارات عامة.
المسؤولية هنا تقع بشكل خاص على الكتل النيابية، ولا سيما المؤثرة منها، في أن تتعامل مع هذا المشروع بعيداً عن ضغط اللحظة السياسية. فالتسرع في هكذا ملفات قد يكلّف البلاد أثماناً يصعب تداركها لاحقاً.
في النهاية، ليست المشكلة في فكرة الخدمة العسكرية بحد ذاتها، بل في السياق الذي تُطرح فيه، والنية التي قد تقف خلفها، والضمانات التي تحيط بها—أو تغيب عنها.
فأخطر القوانين ليست تلك التي تُعلن بصخب، بل تلك التي تمرّ بهدوء… بينما الجميع منشغلون في مكان آخر.