برلمان يُجنّد الفقراء… ويعفي الاغنياء
كتب / احمد المنصور …
في زمنٍ تتغير فيه طبيعة الحروب بسرعة تفوق قدرة الجيوش التقليدية على التكيّف، يبرز سؤال جوهري: ما جدوى تضخيم الأعداد البشرية في مؤسسة عسكرية، بينما تُحسم المعارك اليوم بضغطة زر، أو خوارزمية ذكية، أو طائرة مسيّرة لا ترى بالعين المجردة؟
إن فكرة حشد مليون جندي مكلف بالخدمة الإلزامية، إلى جانب مليون آخر متطوع، قد تبدو للوهلة الأولى تعبيرًا عن قوة الدولة وهيبتها. لكنها في العمق تطرح إشكالية مزدوجة: عسكرية واجتماعية. فمن الناحية العسكرية، لم تعد الكثرة العددية معيار الحسم كما كانت في حروب القرن الماضي. اليوم، التفوق يُقاس بالدقة، بالذكاء، بالتكنولوجيا، وبالقدرة على إدارة المعركة معلوماتيًا قبل أن تبدأ ميدانيًا.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن الخطر الأكبر يكمن في تحوّل الخدمة الإلزامية إلى عبء غير عادل، حيث يصبح الفقراء هم الوقود البشري لأي مشروع عسكري، بينما يشتري الميسورون إعفاءهم عبر “البدل النقدي”. هنا، لا نتحدث عن جيش وطني بقدر ما نتحدث عن “جيش طبقي” يعكس الفجوة الاجتماعية بدل أن يوحدها.
الجيش، في جوهره، يجب أن يكون صورة مصغّرة للوطن بكل فئاته، لا أن يتحول إلى ملاذ إجباري لمن لا يملك خيارًا آخر. فالوطن الذي يُدافع عنه الفقير وحده، هو وطن مهدد في روحه قبل حدوده.
ثم إن الاستثمار الحقيقي لا يكمن في تضخيم الأعداد، بل في بناء جيش محترف، مدرّب، يمتلك أدوات العصر: الأمن السيبراني، الحرب الإلكترونية، أنظمة الدفاع الذكية، والطائرات المسيّرة. فمعركة اليوم قد تُحسم بهجوم إلكتروني يعطل بنية تحتية كاملة، لا بفرقة مشاة تقليدية.
إن التحدي ليس في كمّ الجنود، بل في نوعيتهم، وفي العدالة التي تحكم توزيع الأعباء بينهم. فإما أن يكون الجيش مشروعًا وطنيًا جامعًا، أو يتحول إلى عبء اجتماعي جديد يُضاف إلى أزمات الدول