edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات.. من ينقل الحقيقة ومن يصنعها؟
من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات.. من ينقل الحقيقة ومن يصنعها؟
مقالات

من الحمام الزاجل إلى الخوارزميات.. من ينقل الحقيقة ومن يصنعها؟

  • Today 16:30

كتب / د. إلهام سيف الدولة ...
في مقال سابق لي، توقفتُ عند فكرة «الوسيط»؛ ذاك الكائن المحايد الذي حمل الرسائل عبر الأزمنة، من الحمام الزاجل إلى الميكروفون، وصولًا إلى الشاشات التي لا تنام. لكن ما يشغلني اليوم ليس الوسيط في حد ذاته، بل التحول العميق الذي أصاب وظيفته: كيف انتقل من ناقلٍ أمين إلى صانعٍ للرواية، ومن حاملٍ للخبر إلى مُعيد تشكيله وفق منطق جديد تحكمه السرعة، والمنافسة، وأحيانًا الفوضى.

كان الوسيط فيما مضى من الزمان محدود الأدوات، واضح الدور. الراديو، مثلًا، لم يكن يدّعي أكثر مما يملك: صوت يصل، وخيال يُكمل. لم يكن يزاحم المتلقي على حقه في التأويل، بل يفتح له المجال. حتى التليفزيون في بداياته، رغم سطوة الصورة، كان حريصًا على احترام عقل المشاهد، وعلى تقديم محتوى مدعوم بالتحقق، لا بالاكتفاء بالحضور الشكلي أمام الكاميرا.

أما اليوم، فقد تغيّرت القاعدة. لم نعد معنيين بكيف ننقل الخبر؟ بل: كيف نجذب الانتباه؟ ونجد هنا، تحديدًا، أن الانزلاق الكبير يحدث. لأن الانتباه، في زمن المنصات، أصبح عملة نادرة، تتصارع عليها الوسائط، وتُعاد صياغة الرسائل من أجله، لا من أجل الحقيقة. من أجل ذلك لم يعد الوسيط مجرد “حمام زاجل” رقمي، بل صار لاعبًا أساسيًا في تشكيل ما نراه، بل وما نعتقد أنه الحقيقة.

لقد دخلت الخوارزميات على خط الوساطة، لا كأداة فقط، بل كفاعل خفي. فهي التي تقرر ما يظهر وما يختفي، ما ينتشر وما يُدفن، وفق معايير لا تخضع دائمًا لقيمة المعلومة، بل لقدرتها على الإثارة والتفاعل. وهكذا، تحوّلت الميديا من “وسيط بين الواقع والمتلقي” إلى “مُرشّح للواقع”، يعيد ترتيبه، ويُقدّمه في صورة قد تكون أبعد ما تكون عن الأصل.

وأنا لا أتحدث هنا فقط عن وسائل التواصل الاجتماعي، بل عن امتداد هذا المنطق إلى الإعلام التقليدي نفسه. فكم من برنامج أصبح يعتمد على “الترند” بدلًا من المعلومة؟ وكم من مذيع بات أسيرًا لسرعة التعليق، لا دقة التحليل؟ بل وكم من خبر يُعاد تدويره عشرات المرات، حتى يفقد معناه، ويتحوّل إلى مجرد مادة للاستهلاك؟

إن الأزمة، في جوهرها، ليست في الوسيط، بل في غياب المعايير التي تحكمه. فالحمام الزاجل لم يكن يملك رفاهية التلاعب، لأنه ببساطة لا يملك وعيًا. أما الوسيط المعاصر، فيملك الأدوات والوعي، لكنه أحيانًا يفتقد الضابط. وهنا تكمن الخطورة: حين يجتمع الوعي مع غياب المسئولية، تتحول الوساطة إلى سلطة، لا إلى خدمة.

ولعل أخطر ما في هذا التحول، هو تآكل الثقة. فالمتلقي، الذي كان يمنح الوسيط قدرًا من التصديق، أصبح اليوم في حالة شك دائم. لا يثق في الصورة لأنها قابلة للتلاعب، ولا في الصوت لأنه قابل للاجتزاء، ولا حتى في النص لأنه قابل لإعادة الصياغة. فيدخل بذلك في دوامة من الشك، قد تنتهي به إلى اللامبالاة، وهي أخطر مراحل العلاقة مع الحقيقة.

لكن، هل يعني ذلك أننا أمام انهيار كامل لفكرة الإعلام؟ أظن أن الإجابة ستكون: لا. لأن كل مرحلة تحمل في داخلها بذور تصحيحها. فكما أفرزت الفوضى الحالية حالة من التشتت، فقد أفرزت أيضًا وعيًا جديدًا لدى المتلقي. لم يعد الجمهور ذلك الكائن السلبي الذي يتلقى دون تمحيص، بل أصبح أكثر قدرة على المقارنة، وأكثر ميلًا للبحث عن مصادر متعددة، وإن كان هذا الوعي لا يزال في طور التشكّل.

ويقينا هنا يبرز دور النخبة الثقافية والإعلامية، لا بوصفها وصية، بل كحارس للمعايير. ليس المطلوب أن نعود إلى زمن الوصاية، بل أن نُعيد الاعتبار لفكرة المهنية. أن يكون هناك فرق واضح بين من يُحلل ومن يُهوّل، بين من يُقدم معرفة ومن يُنتج ضجيجًا. فالفارق بين الإعلام الجاد وغيره، لم يعد في الوسيلة، بل في المنهج.

كما أن المؤسسات، إن أرادت استعادة ثقة الجمهور، فعليها أن تُدرك أن المصداقية لم تعد تُمنح، بل تُكتسب يوميًا. لا يكفي أن تمتلك تاريخًا، بل يجب أن تُثبت في كل مرة أنك جدير بالثقة. وهذا لا يتحقق إلا بالشفافية، وبالقدرة على الاعتراف بالخطأ، وبالاستقلال عن منطق السباق المحموم على “السبق” بأي ثمن.

وبطبيعة الحال لا يمكن إعفاء المتلقي من المسئولية. فكما أن الوسيط تغير، يجب أن تتغير أدوات التلقي. لم يعد كافيًا أن نشاهد أو نقرأ، بل يجب أن نسأل: من قال؟ ولماذا قال؟ وكيف قُدِّم؟ هذه الأسئلة البسيطة هي خط الدفاع الأول ضد التلاعب، وهي التي تعيد التوازن إلى العلاقة بين الطرفين.

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد تطور تقني في وسائل الإعلام، بل تحول في بنية الوعي نفسه. فالصورة لم تعد انعكاسًا للواقع، بل أصبحت أحيانًا بديلًا عنه. والوسيط لم يعد جسرًا، بل صار في بعض الأحيان حاجزًا، يعيد تشكيل ما يمر عبره. ومن هنا، فإن استعادة دور الميديا، لا تتطلب فقط تطوير الأدوات، بل إعادة تعريف الرسالة.
وبتأمل عميق لكل ما سبق نصل إلى قناعة مفادها ان الحمام الزاجل قد لا يعود، ولن نرغب في عودته، لكننا بحاجة إلى استعادة بعض من “براءته”. لا بمعنى السذاجة، بل بمعنى الأمانة. أن يعود الوسيط إلى جوهره الأول: ناقلٌ للحقيقة، لا صانعٌ للوهم. وأن ندرك جميعًا، صانعين ومتلقين، أن الكلمة، مهما تغيّرت وسائطها، تظل مسئولية، ويا لها من مسئولية!

الأكثر متابعة

All
سياسي: طهران تريد التفاوض من دون شروط مسبقة

سياسي: طهران تريد التفاوض من دون شروط مسبقة

  • سياسة
  • 22 Apr
الدليمي يحذر من انهيار العملية السياسية اذا تدخلت أمريكا

الدليمي يحذر من انهيار العملية السياسية اذا تدخلت...

  • سياسة
  • Today
المسلماوي: الاطار سيعلن الليلة عن مرشحه لمنصب رئيس الوزراء بالإجماع

المسلماوي: الاطار سيعلن الليلة عن مرشحه لمنصب رئيس...

  • سياسة
  • 27 Apr
"المعلومة" تكشف الأسباب الحقيقية وراء تأجيل حسم مرشح الإطار لرئاسة الحكومة

"المعلومة" تكشف الأسباب الحقيقية وراء تأجيل حسم...

  • سياسة
  • 25 Apr
التنفس عبر فوهات المدافع
مقالات

التنفس عبر فوهات المدافع

الحرب في المنطقة الرماديَّة
مقالات

الحرب في المنطقة الرماديَّة

بين سراب الحرية وملاذ الراتب
مقالات

بين سراب الحرية وملاذ الراتب

نحو عراق بلا وصاية أمريكية
مقالات

نحو عراق بلا وصاية أمريكية

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • ترندات
  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • الذكاء الاصطناعي

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا