من هارتلاند إلى هرمز من قلب اليابسة إلى عُقَد العالم
كتب / د. ميساء المصري
أبدأ مقالتي بمقولة غربية من قلب النظريات الجيوسياسية الكلاسيكية، تقول : من يتحكم في الجغرافيا يتحكم في العالم وهي من بين أطروحات ماكندر عن قلب العالم(هارتلاند) حيث ظل الصراع الدولي محكوماً بمعادلة المكان. لكن ما لم يكن يتخيله أولئك المنظرون في الغرب هو أن الجغرافيا نفسها ستتمدد، لا على سطح الأرض فقط، بل في أعماق البحار، حيث تمر شرايين العالم الرقمية، وحيث تتحول المضائق إلى مفاتيح سيادة لا تقل أهمية عن الجيوش.
و من هنا، في الوقت الراهن من الحرب لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر لناقلات النفط. هذا الممر هو، عملياً، النخاع الشوكي للنظام العالمي. ففي قاعه تمتد كابلات الألياف الضوئية التي تربط آسيا بأوروبا، وتحمل ليس فقط البيانات، بل الاقتصاد نفسه، تحويلات البنوك، التجارة الإلكترونية، الاتصالات، وحتى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. بمهنى أن أي خلل هناك لا يعني ارتفاع أسعار النفط فحسب، بل شللاً رقمياً كاملاً.
وهنا يتقاطع القديم مع الجديد، الجغرافيا الصلبة مع الجغرافيا الرقمية. إيران، التي تدرك جيداً موقعها في هذه المعادلة، تتحدث الى العالم الآن كورقة ضغط استراتيجية. الرسالة واضحة، إذا تم خنقها بالعقوبات والحصار، فإنها تمتلك القدرة أو على الأقل التهديد بخنق العالم رقمياً. هذا ليس تهويلاً، بل إعادة تعريف لمفهوم الردع في عصر البيانات.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة عالقة بين أدوات قديمة وواقع جديد. سياسة العقوبات، التي كانت فعالة في عالم أحادي القطب، لم تعد تحقق النتائج نفسها. إيران، بعد عقود من الحصار، طورت منظومة التفاف معقدة، وروسيا سلكت المسار ذاته. النتيجة أن العقوبات لم تعد تخنق الخصوم بقدر ما تدفعهم إلى الابتكار خارج النظام العالمي التقليدي. بل إن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات يصب أحياناً في مصلحة الدول المستهدفة نفسها.
لكن الأخطر من ذلك هو التناقض الاستراتيجي، واشنطن تريد احتواء إيران، لكنها في الوقت ذاته تدفعها عبر الضغوط إلى تسريع برنامجها النووي وإعادة التموضع عسكرياً. حتى بعض الأصوات داخل المؤسسة الإسرائيلية تعترف بأن الانسحاب من الاتفاق النووي كان خطأً استراتيجياً، إذ أزال القيود دون تقديم بديل، فوجد العالم نفسه أمام إيران أقرب إلى العتبة النووية من أي وقت مضى.
وفي خضم هذه التحولات الكبرى، تتكشف مفارقة مؤلمة، بينما تُدار لعبة الأمم على مستوى المضائق والكابلات والملفات النووية، تتعرض فلسطين لعملية إعادة تشكيل هادئة ولكن عميقة. ما يحدث في الحرم الإبراهيمي ليس حدثاً معزولاً، بل جزء من صراع على الهوية والمكان. رفع رموز دينية وسياسية فوق موقع إسلامي تاريخي يحمل دلالات تتجاوز الشكل، ليصبح إعلاناً عن محاولة إعادة تعريف المكان ذاته.وربما هنا أضيف معلومة مهمة بأن ترامب سرق ال 17مليار دولار التي جُمعت بإسم صندوق إعمار غزة وانتهى بها المطاف في إسرائيل..
التوقيت ليس بريئاً. تتزامن هذه الإجراءات مع مناسبات سياسية ودينية يكشف عن استراتيجية تستهدف فرض واقع جديد تدريجياً، مستفيدة من انشغال العالم بصراعات أكبر. إغلاق المدن، تقييد الحركة، التضييق على المصلين كلها أدوات في معركة السيطرة على الجغرافيا الرمزية، التي لا تقل خطورة عن السيطرة على الجغرافيا المادية.
وهنا تتجلى المفارقة الأكبر، العالم العربي، الغارق في أزماته، يبدو عاجزاً عن التأثير. بيانات الإدانة لم تعد تغير شيئاً، ولا تفرض توازناً. في ميزان القوى الحالي، من لا يمتلك أدوات الفعل الاقتصادية، العسكرية، أو التكنولوجية يبقى خارج المعادلة، مهما كانت قضيته عادلة.
لكن بالعودة إلى نظرية قلب العالم التي تمنحنا مفتاح الفهم، فإن السيطرة الآن لم تعد فقط على الأرض، بل على العقد التي تربطها. مضيق هرمز، الكابلات البحرية، الممرات التجارية، وحتى الفضاء السيبراني كلها أصبحت هارتلاند جديداً. ومن ينجح في التحكم بهذه العقد، يمتلك القدرة على التأثير في النظام العالمي بأكمله.
في هذا السياق، تبدو المنطقة العربية وكأنها تقف فوق كنز استراتيجي دون أن تملك مفاتيحه. الخليج أغلبه يستثمر في الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، لكنه يعتمد على كابلات تمر في مناطق توتر. أي اضطراب هناك قد يمحو سنوات من الاستثمار في لحظة. وهذا يعيد طرح السؤال، هل يمكن بناء قوة حقيقية دون سيطرة كاملة على البنية التحتية التي تقوم عليها؟
في النهاية، نحن أمام تحول جذري في مفهوم القوة. لم تعد الدبابات وحدها هي التي تحسم المعارك، بل الكابلات، البيانات، والمضائق. ولم تعد الجغرافيا مجرد خرائط، بل شبكة معقدة من الترابطات التي يمكن قطعها أو التحكم بها.
وبينما يستمر الصراع على هذه المستويات العليا ومهما تعددت الجبهات مازالت الملفات عديدة ومشتته ، تبقى الأرض في فلسطين ساحة المواجهة الأكثر وضوحاً. هناك، حيث تتجسد الجغرافيا في أبسط معانيها، أرض، هوية، ووجود.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس من يملك القوة اليوم، بل من يفهم قواعد اللعبة الجديدة. لأن من يتحكم في الجغرافيا بكل أشكالها لا يزال، كما قال المنظرون الأوائل، هو من يتحكم في العالم.