بالنفط والدولار لا تبنى الأوطان !!
كتب / د. باسل عباس خضير ...
غالبا ما نسمع ذات السؤال ، إذا كنا بلدا غنيا ويمتلك مقدارا كبيرا من ثروات النفط والمعادن والخيرات ، فلماذا لا نكون من عداد الدول المتقدمة اقلها مثل ماليزيا والصين وغيرها من البلدان التي تمتلك او لاتمتلك ثروات النفط ؟ ، ولماذا نتأثر كثيرا بالأزمات لدرجة إن الحكومة تعد عملها انجازا في توفير ودفع الرواتب كل شهر ؟ ، والإجابة عن هذا تتكرر بذات الأعذار وبقي الأمر على حاله خارج الأمنيات منذ عقود وهو يناقض لما يجب أن نكون عليه ، فالعراق بلد خصه الباري عز وجل بالكثير من الموارد والثروات وما يمتلكه يجعله بلد الحاضر والمستقبل السعيد ، فمن حيث الاحتياطيات النفطية المؤكدة فانه الخامس عالميا ومقدار مخزونه أكثر من 145 مليار برميل بما يعادل 8% من مجموع الاحتياطي العالمي ، ومن حيث الزراعة فانه من الأوائل الذي شهد الزراعة المنظمة وهو جزءا من بلاد الرافدين وهي من أقدم مراكز الزراعة في العالم ، ويمتلك قدرات أروائية من حيث كمية الأمطار ووجود نهري دجلة والفرات ، ومكانة العراق مهمة وإستراتيجية جدا كونه يقع في قلب الشرق الأوسط ويربط بين آسيا وأوربا ويمتلك منفذا بحريا على الخليج العربي من خلال ميناء كبير ، و مساحته 438 ألف كيلو متر مربع تجعله من الدول متوسطة المساحة عالميا ومن الدول الكبيرة عربيا ، ومساحته تمتاز بالتنوع الجغرافي بوجود الصحارى والهضاب والوديان والجبال ، وللسياحة شان مهم فهو مهد الحضارات وفيه المزارات المقدسة من مختلف المذاهب والديانات وفي ربوع شماله الجميل معالم وزراعة من أعظم الأماكن سياحة صيفا وشتاء .
والعراق أمس واليوم ، بلد ريعي يعتمد على صادرات النفط ويستغل إيراداتها من الدولار كمصدر أول في تمويل النفقات ، وكان بإمكانه أن يكون أفضل مما هو عليه بعشرات الأضعاف ، كونه يشغل حاليا الترتيب 44- 50 عالميا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 264 مليار دولار حسب صندوق النقد الدولي ، ويعد الخامس عربيا من بين اكبر الاقتصاديات العربية من حيث الحجم الكلي ppp ، و المشكلة في اقتصادنا تقع في جانبين : الأول هو الاعتماد الكبير على إيرادات النفط في تكوين الناتج المحلي GDP التي تشكل أكثر من 90 % من إجمالي الإيرادات السنوية ، وثانيها توجيه الإنفاقات السنوية نحو المصاريف التشغيلية التي تعادل أكثر من 85% من إجمالي الإنفاق كل عام ، وبسبب هذا الاختلال فانه يعاني من نقص واضح في التنمية المستدامة من حيث التطوير في المشاريع الاقتصادية التي تنتج الدخل ، ويتعرض الاقتصاد الوطني للتشويه في أولوياته لان الرواتب تعادل نسبة كبيرة من النفقات التشغيلية ويعاني أيضا من ضعف الكفاءة في الموازنات التخطيطية التي تذوب فيها الأهداف التنموية ، فهي تفقد جوهرها في إعدادها إلى جانب ضعف او انعدام التوجيه والرقابة من خلال حساباتها الختامية ، بدليل إن الحسابات الختامية لم تنجز بشكل جدي وفاعل من 2013 ، ولأسباب عديدة يخضع البلد لعجز مالي لتخصيصه مبالغ كبيرة لمعالجة المشكلات الاجتماعية من العوز والفقر التي تشمل نسبة مهمة من السكان ، وما يسجل عليه العمل بمبدأ الدعم الذي يوسع الشمول بالحصص التموينية التي توزع شهريا على قرابة 40 مليون فرد وغيرها من فقرات الدعم .
ورغم إن بلدنا نفذ خططا في الاعمار شملت بعض المتطلبات من الطرق والجسور ومشاريع أخرى ، إلا انه لايزال يعاني من نقص واضح في بعض المتطلبات من السكن والماء والكهرباء والمجاري ، ومن الغريب أن يكون بمستوى مكانته الاقتصادية و الكهرباء لا تزال أمنية منذ نصف قرن وسكانه يعتمدون على المولدات ، كما إن الأغلبية لا يحصلون على مياه الشرب رغم وجود مشاريع للإسالة ترتبط بنهري دجلة والفرات ، وبلدنا صاحب الحضارة والمال والإمكانيات لا يمتلك اليوم بعض رموز المدنية ومنها شبكات المترو والقطارات ، التي تمتلكها البلدان الفقيرة او التي تعتمد على المساعدات ، ومن المحزن فعلا احتفال البغداديون ب(تراموا) الرشيد الذي يسير لأقل من 100 متر الممول بالتبرعات ، والأكثر من هذا يقوم المستوردون باستيراد أكثر من 95% من احتياجاته الشعب ، والاستيراد يستنزف ما يحصل عليه من دولار النفط ، والغريب في الموضوع انه يستورد من بلدان لها موارد اقل من مواردنا ، وما يزيد أسفا إن اغلب الدول التي يستورد منها تعتمد على دولار العراق في التنمية وتوسيع المشاريع لزيادة الفرصة في الاستحواذ على الأسواق المحلية من حيث التنوع وانخفاض الأسعار ، مما يحبط الانتاح المحلي ويجعله غير قادر على منافسة الاستيراد رغم ما تضعه الحكومة من برامج لحماية المنتجات لبعض المواسم و الحالات .
والبعض يسال كيف يمكن للعراق وأهله إن يعيشوا ويؤمنوا احتياجهم لو لم يأتيهم الدولار من تصدير النفط ؟ ، ولماذا لا يستخدم دولار النفط بشكل اقتصادي في تعظيم موارد ثرواته لزيادة الناتج المحلي إلى أضعاف ما هو عليه حالنا حال الكثير من البلدان ؟ ، وحسب المنطق والعقل فان بإمكانه بان يكون من بين أحسن البلدان في أكثر من محتوى ومجال ولكن بشروط ، أن يجد سياسات وإجراءات واعية ومخلصة وأمينة في طريقة إعادة استخدام واستثمار إيرادات الدولار ، وان يستبدل الدولار الخارج لشراء الأغذية بتنمية الزراعة وهو يستطيع بدليل الاكتفاء من الحنطة والقدرة على التصدير ، وعليه أن يستبدل دولار استيراد الأثاث والأجهزة بالصناعة المحلية التي تشكو العطالة من سوء الاعتناء ، وان يستبدل دولار العلاج بالخارج بتطوير الخدمات الصحية ورفع شان المستشفيات ، وان يعوض الدولار السياحي بتنمية سياحية في الاهوار والجبال والمعالم والمزارات ، وان يحول التريليونات التي تنفق لرعاية الفقراء والعاطلين لمشاريع تحارب الفقر و تصنع الأمل والازدهار ، وان يطور جامعاته لتوفير دولار الابتعاث والدراسة على النفقة الخاصة التي تستشري اليوم ، وان يطبق التشريع القانوني من أين لك هذا ولا يجعله شعار ، وان يهتم بالقضاء على الفساد بمعالجات شجاعة تطال الحيتان والصغار ، وان يجعل وضع الشخص المناسب في المكان المناسب شانا وطنيا واجب التطبيق حتى وان أعطيت للمحاصصة الموضوعية بكل الإشكال ، وان يأخذ العبرة من ما فاته من عقود وسنوات قضاها في المعارك والحروب، وان يعمق نهجه الديمقراطي من إيمان يقترن بأفعال ، فما دمرته الحروب وما انفق في سبيل إدامتها ومعالجة آثارها كان كافيا لبناء وتطوير بلدان و أوطان .
وتلك وغيرها يجب أن لا تستمر وتتكرر كأمنيات منزوعة الدسم من محتواها الوطني او شعارات تفقد بريقها بعد الانتخابات ، لأنها حاجة ماسة وتتعقد الحاجة لها باستمرار ، والنفط لا يدوم مهما بلغ حجم الاحتياطيات ووجوده نعمة ربانية يحسدنا عليها الكثير ، ومن الواجب الشرعي والإنساني أن لا نجعلها نقمة تعيق تامين حاضر ومستقبل العباد ، وتلك المسالة من واجبات الجميع شعبا وحكام