ديمقراطية تحت الضغط : نهاية الصمت في عهد ترامب
كتب / دعاء هزاع الجابري
تشهد الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة تحولات داخلية لافتة تعكس توترا متزايدا في العلاقة بين السلطة التنفيذية والمجتمع ، فمع تصاعد القرارات السياسية المثيرة للجدل ، برزت مؤشرات واضحة على تضييق متنام في بعض مجالات الحريات المدنية ، وتنامي حالة الاستقطاب المجتمعي ، ان هذه التطورات التي تتقاطع مع احتجاجات شعبية وردود فعل مؤسسية وإعلامية ، لا يمكن فصلها عن طبيعة النهج السياسي الذي تنتهجه إدارة ” دونالد ترامب ” ، ولا عن انعكاساته العميقة على بنية النظام الديمقراطي الأمريكي ومساراته المستقبلية
فالرئيس الذي قدم نفسه يوما بوصفه حامي ” القيم الأمريكية ” وجدته الأحداث يقود بلاده نحو تضييق غير مسبوق على الحريات المدنية ، ويدفع بالمشهد الداخلي إلى حالة احتقان متصاعد ، وبين قمع الاحتجاجات ، وتكميم الصحافة ، وتشديد السياسات الأمنية والاجتماعية ، لتتكشف لنا ملامح أزمة عميقة تضرب جوهر الديمقراطية الأمريكية ، وتطرح سؤالا خطيرا : هل تعيش الولايات المتحدة لحظة اختبار وجودي لنظامها السياسي أم بداية انكسار داخلي تقوده سياسات رجل واحد ؟ ، حيث لم تعد سياسة دونالد ترامب المتغطرسة تقتصر على زعزعة النظام الدولي أو استفزاز الحلفاء والخصوم على حد سواء ، بل ارتدت بوضوح على الداخل الأمريكي ذاته ، فبدأت الحريات المدنية والمجتمعية تتآكل بصورة غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث ، ومع تصاعد هذه السياسات انفجر الشارع الأمريكي في موجات احتجاج واسعة تصدرت المشهد خلال الفترة الأخيرة ، في تعبير صريح عن رفض نهج سلطوي يسعى إلى إخضاع المجتمع بالقوة بدل إدارته بالقانون
لقد واجه ترامب هذه الاحتجاجات بعقلية أمنية صرفة ، معتمدا على القمع والتشديد الأمني ، ومحاولا تجريم الحق في التظاهر السلمي ، سواء كان احتجاجا فرديا أو جماعيا على قرارات تعسفية تمس حياة المواطنين مباشرة غير أن القبضة الحديدية لم تفلح في إسكات الأصوات بل زادت من حدّتها واتسعت رقعة الهتافات الرافضة لسياساته ، وكأن الشارع الأمريكي أعلن أن ” الكيل قد فاض ” ، لتتجاوز هذه السياسات القمعية ملف التظاهر وتشمل تهديدات متكررة بالترحيل الجماعي للأجانب وتشديد قوانين الهجرة بصورة تمس الكرامة الإنسانية وتغدي خطاب الكراهية ، إلى جانب التضييق الممنهج على الحقوق الإنجابية عبر الدفع نحو حظر شامل للإجهاض دون مراعاة السياقات الصحية أو الاجتماعية ودون إقرار استثناءات إنسانية ، في تحد فج لمبدأ الحرية الشخصية الذي لطالما تغنت به أمريكا ، أما حرية الصحافة فقد وجدت نفسها في قلب المواجهة ، إذ دخلت الإدارة الأمريكية في صدام مباشر ومستمر مع الصحفيين ووسائل الإعلام والنشطاء عبر دعاوى قضائية وقيود صارمة على الوصول إلى المعلومات وتهديدات بعقوبات ، فضلا عن الهجمات اللفظية المتكررة ، وهو مسار خطير في دولة يفترض أن تكون فيها الصحافة مرآة المجتمع وضمانة الشفافية لا خصما للسلطة
ان ترامب في سلوكه هذا يتصرف وكأنه فوق القانون وغير معني بالمواثيق الدولية أو حتى بالأعراف الدستورية الأمريكية ، وكأنه هو من صنع القوانين وهو وحده من يملك حق تفسيرها وتطبيقها ، ان هذه النزعة التسلطية لا تعكس رجل دولة بقدر ما تكشف عن شخصية استعراضية تدار بعقلية صفقات ومصالح شخصية ، لا برؤية وطنية أو إحساس بالمسؤولية تجاه الشعب ، وما نشهده اليوم داخليا وخارجيا يبين لنا أن هذه السياسات لم تعد تمر دون ثمن ، فالصمت لا يعني القبول ، وتأجيل المواجهة لا يعني الاستسلام ، حيث ثمة حراك يتشكل وغضب يتراكم وترتيبات تجري تحت السطح ، ومع استمرار هذا النهج يبدو أن الولايات المتحدة تقف على أعتاب انتفاضة سياسية ومجتمعية حقيقية قد تقلب الطاولة رأسا على عقب ، وتسقط ترامب ونظامه من سدة الحكم ، لا بوصف ذلك حدثا عابرا بل كنتيجة حتمية لمسار اختار فيه القوة بدل الحكمة ، والقمع بدل الشرعية
إن ما يعيشه الداخل الأمريكي اليوم ليس أزمة عابرة ولا موجة احتجاج يمكن احتواؤها بالهراوات أو البيانات الرسمية ، بل هو تصدع عميق في العقد الاجتماعي ذاته ، فحين تقمع الحريات وتحاصر الصحافة ويجرم الاختلاف ، تتحول الدولة من نموذج ديمقراطي إلى ساحة صراع مفتوح بين السلطة والمجتمع ، وما يستهين به ترامب هو أن الشعوب قد تصمت طويلا لكنها حين تتحرك لا تفعل ذلك طلبا للإصلاح فقط ، بل لاستعادة الكرامة وكسر منطق الهيمنة ، وعليه فإن استمرار هذا النهج التسلطي لا ينذر بمستقبل مضطرب للولايات المتحدة فحسب بل يكشف أن من يزرع القمع إنما يحصد السقوط مهما طال به الزمن .