الحرب الصهيو-امريكية على ايران و ماسببته لاقتصاديات دول الخليج العربي!
كتب / د. صبيح جبارة
صدمة الأرقام والواقع الجديد
تعد دول الخليج العربي من أكثر القوى المالية صلابة في العالم، إلا أن الأزمة الأخيرة وضعت هذه المصدات السيادية أمام اختبار هو الأقسى في تاريخها الحديث. فبينما تشير التقديرات إلى أن تكلفة إصلاح الأضرار المادية المباشرة قد تصل إلى ٢٥٠ مليار دولار، وهو رقم ضخم ولكن يمكن تغطيته عبر صناديق الثروة التي تدير نحو ٥ تريليونات دولار، تبرز الحقيقة المرة التي تتجاوز لغة الأرقام البسيطة. التحدي الحقيقي لا يكمن في سداد الفواتير، بل في مواجهة “انكماش تراكمي” في الإنتاج يقدره صندوق النقد الدولي بنحو ٧٪ على مدى ٥ سنوات، مع آثار سلبية قد تمتد لعقد كامل. فهل المال وحده كافٍ لاستعادة “الزمن الجميل” للاستقرار الاقتصادي، أم أن القواعد الجيوسياسية قد كُسرت للأبد؟
٢. السمعة أثمن من النفط: معضلة الثقة المفقودة
لطالما سوقت دول الخليج نفسها كواحة للأمان في محيط مضطرب، وهي السمعة التي كانت الوقود الحقيقي لخطط التنوع الاقتصادي الطموحة. إن إصلاح محطة تحلية أو خط أنابيب هو مسألة وقت ومال، لكن استعادة “السمعة” كوجهة استثمارية آمنة هي عملية بالغة التعقيد. وكما تشير تقارير الخبراء.
“يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي تغطية تكاليف الإصلاح المقدرة بـ ٢٥٠ مليار دولار، ولكن سيكون من الصعب إصلاح الأضرار التي لحقت بالسمعة التي بنيت بعناية كوجهة مستقرة، وهي سمعة حيوية لنجاح خطط التنمية الاقتصادية للأعضاء.”
لقد ضرب هذا الصراع “الأسس” التي قامت عليها رؤى التطوير، محولاً الحديث من “النمو المتسارع” إلى “إدارة المخاطر الوجودية”.
٣. فخ “التوربينات”: لماذا قد يستغرق التعافي سنوات لا شهوراً؟
كشف الصراع عن “انكشاف تقني” خطير في سلاسل التوريد. المثال الأبرز هو مجمع “رأس لفان” في قطر، المرفق الذي يغذي العالم بنحو ٢٠٪ من الغاز الطبيعي المسال. الضرر الذي طال التوربينات الضخمة هناك لا يمكن حله بضخ السيولة؛ إذ لا يوجد سوى ثلاث شركات عالمية قادرة على تصنيع هذه المعدات المعقدة، مما يجعل مدة الإصلاح تمتد إلى ٥ سنوات. هذا التعطل التقني يعني أن قطر وحدها ستواجه خسارة في إيرادات التصدير تصل إلى ٢٠ مليار دولار سنوياً. إنها ضريبة الاعتماد على تكنولوجيا عالمية احتكارية في منطقة أصبحت مسرحاً للصواريخ والطائرات المسيرة.
٤. الاختناق الجغرافي: حقيقة مضيق هرمز ومناورة عُمان
أعاد إغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره ٢٥٪ من تجارة النفط المنقولة بحراً، صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة عبر مستويين من المعاناة:
شلل الصادرات: وجدت دول مثل قطر والكويت والبحرين نفسها بلا أي منافذ بديلة، مما أدى لانكماش اقتصادي حاد (قدره صندوق النقد بـ ١٥% لقطر
و ٤.٥٪ للكويت لهذا العام).
البدائل المجهدة: اضطرت السعودية لتحويل صادراتها عبر خط أنابيب “شرق-غرب” إلى البحر الأحمر، مما خفض إنتاجها المصدر بحراً من ٧ ملايين إلى ٥ ملايين برميل يومياً.
وفي خضم هذا الاختناق، برزت سلطنة عُمان كـ “شريان حياة” استراتيجي؛ حيث استغلت موقعها خارج المضيق لتقديم حوافز وتسهيلات تجارية وحزم لتسهيل حركة البضائع، مما منحها وضعاً جيوسياسياً فريداً كمنفذ وحيد آمن نسبياً في قلب العاصفة.
٥. ما وراء النفط: انكشاف السيادة الرقمية وضربة الألمنيوم
لم يعد النفط هو الهدف الوحيد؛ فقد طال الصراع العصب الحيوي للاقتصاد الجديد “اللاورقي”:
انكشاف السحابة الرقمية: تضرر مراكز بيانات Amazon Web Services (AWS) في الإمارات والبحرين أدى لتعطل ٣١ خدمة سحابية، مما شل قطاعات التجارة الإلكترونية والخدمات المالية.
صدمة الصناعة والطاقة: قفزت تكاليف وقود الطائرات بنسبة ٩٥٪ نتيجة استهداف المصافي (مثل مينا الأحمدي و غيرها). كما تأثرت صناعة الألمنيوم (التي تمثل ٩٪ من الإمداد العالمي) بعد تضرر منشآت “إيميتال” و”ألبا”، حيث سيتطلب إصلاح مرافق الألمنيوم في الإمارات ١٢ شهراً على الأقل.
النزيف السياحي والتضخم: فقدت المنطقة ما بين ٣٥ إلى ٥٥ مليار دولار من عائدات السياحة، مع إلغاء فعاليات كبرى مثل “فورمولا 1” واجتماعات “المنتدى الاقتصادي العالمي”. وفي الإمارات، سجل التضخم أعلى مستوياته منذ ١٥ عاماً نتيجة ارتباك سلاسل التوريد.
٦. الانكفاء نحو الداخل: إعادة ترتيب الأولويات الكبرى
أجبر الواقع الجديد دول المنطقة على تحول جذري في استراتيجياتها، من التوسع الكوني إلى “التحصين الداخلي”:
إعادة صياغة الرؤى: بدأت السعودية مراجعة شاملة لـ “رؤية ٢٠٣٠”، مع تحول التركيز من “المشاريع العملاقة” إلى الاستثمار في الداخل، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الخضراء. وظهر هذا الانكفاء في التخلص من حصص عالمية مثل LIV Golf ودار الأوبرا “متروبوليتان”.
المصدات المالية: ستتحول الصناديق السيادية من أدوات للهيمنة الاستثمارية العالمية إلى “مصدات مالية” لترميم البنية التحتية ودعم الشركات المحلية التي واجهت موجة إفلاسات في قطاعي التجزئة والإنشاءات (خاصة في الربع الأول من هذا العام).
إعادة التموضع: تدرس الإمارات إنشاء “صندوق استثماري دفاعي” وطلبت مقايضة عملات مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في إشارة واضحة لتقديم “الأمن القومي” على التوسع الاقتصادي التقليدي.
٧. الخاتمة:
التساؤل الكبير
يمر الخليج اليوم بمرحلة “إعادة ترتيب الأوراق”؛ حيث فرض الصراع واقعاً تراجعت فيه الطموحات العالمية أمام ضرورات البقاء والسيادة التقنية. وبينما تظل الملاءة المالية قائمة، يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع النموذج الاقتصادي الخليجي ابتكار صيغة صمود جديدة تتجاوز “رهينة الجغرافيا” وتذبذب “السمعة الدولية”؟ إن المليارات قد تبني جدراناً ومصانع، لكنها لا تضمن الاستقرار في إقليم يعيد كتابة مستقبله تحت ضغط النيران.