
لا خيار مع ايران سوى سلام الشجعان!
كتب / نجاح محمد علي ...
إيران تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم في تاريخها، حيث تتزايد الضغوط الأمريكية والتهديدات الصهيونية بشكل غير مسبوق. وفي ظل هذه الظروف، فإن خيار إيران واضح: المقاومة أو الاستسلام. لكن التجارب التأريخية أثبتت أن الشعب الإيراني لم يرضخ أبدًا، بل يزداد قوةً وتصميمًا مع كل تهديد يواجهه.
مؤخرًا، حذّر علي لاريجاني، مستشار قائد الثورة، من أنه في حال تعرضت إيران لهجوم، فقد تتغير سياستها النووية. هذه الرسالة موجهة مباشرة إلى الغرب: إذا هددتم وجودنا، فقد نسلك نفس المسار الذي اتبعته كوريا الشمالية. هذا ليس مجرد تحذير، بل نتيجة منطقية للسياسات الغربية التي دفعت إيران باستمرار للدفاع عن نفسها.
لقد أثبت التأريخ أن إيران كلما تعرضت لضغط شديد، لم تتراجع بل عززت استقلالها بشكل أكبر وتحول التهديدات إلى فرص . فالسياسة الأمريكية المتمثلة في “الضغوط القصوى”، التي بدأها ترامب واستمر فيها بايدن ثم أعادها ترامب في مطلع رئاسته الثانية ، لم تؤدِّ إلا إلى نتائج عكسية. فقد راهنت واشنطن على أن الانسحاب من الاتفاق النووي سيرغم إيران على تقديم تنازلات، لكن ما حدث هو العكس تمامًا، حيث قامت طهران بتطوير برنامجها النووي السلمي بشكل متسارع. والسؤال المطروح الآن: هل الولايات المتحدة مستعدة لارتكاب خطأ استراتيجي أكبر؟
أما الكيان الصهيوني، الذي طالما سعى لاستخدام الولايات المتحدة كأداة ضغط ضد إيران، فهو الآن أكثر من أي وقت مضى يشعر بأنه مهدد وجوديًا. عملية طوفان الأقصى التي نفذتها المقاومة الفلسطينية، إلى جانب الضربات التي وجهتها اليمن ضد أهداف صهيونية في العمق ، والدعم المتزايد شعبياً في العالم لخيار المقاومة، تؤكد جميعها أن المعادلات في المنطقة تغيرت. والآن، يسعى هذا الكيان، بدافع الخوف من السقوط والانهيار من الداخل ، إلى جرّ الغرب إلى حرب مباشرة مع إيران. لكن ما لا يفهمه قادة هذا الكيان المشروع هو أن أي مغامرة عسكرية ضد إيران لن تظل محصورة داخل حدودها، بل ستشعل حربًا إقليمية شاملة لاتبقي ولاتذر .
لقد التزمت إيران طويلًا بسياسة “الصبر الاستراتيجي”، لكن ذلك لا يعني الضعف. فطهران أثبتت مرارًا أنها تؤمن بالحلول الدبلوماسية، و ترفض في نفس الوقت أن تكون هذه الحلول تحت التهديد والضغط. إذا كان الغرب جادًا بشأن الحوار، فعليه أن يدرك أن سياسة التهديدات لن تؤدي إلا إلى دفع إيران نحو خيارات أكثر صرامة.
يعتقد البعض في الغرب والولايات المتحدة تحديداً أنهم قادرون على إخضاع إيران بنفس الأساليب التي استخدموها مع بعض الدول الإقليمية، من خلال الضغوط الاقتصادية والعقوبات المشددة. لكنهم يتجاهلون حقيقة أن إيران ليست دولة تابعة، بل هي قوة مستقلة أثبتت أنها قادرة على الصمود وإعادة بناء نفسها حتى في أحلك الظروف. وهذه الحقيقة هي ما لا يريد أعداء إيران الاعتراف به.
إن أي عدوان على إيران لن يؤدي فقط إلى إشعال فتيل مواجهة كبرى، بل سيتسبب في زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. الدول العربية التي سعت إلى شراء الأمن من خلال التحالف مع الكيان الصهيوني، ستكون أول المتضررين من أي خطأ استراتيجي كهذا. كما أن القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وحاملات الطائرات في المياه الدافئة، وحتى الكيان نفسه ، ستكون كلها تحت مرمى الرد الإيراني الحاسم. والسؤال هنا: هل الولايات المتحدة وحلفاؤها مستعدون لدفع هذا الثمن الباهظ؟
إيران أكدت مرارًا أنها لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تتردد في الرد بقوة على أي اعتداء. هذه ليست مجرد شعارات تعبوية ، بل هي استراتيجية تم اختبارها وأثبتت فعاليتها على مدى سنوات. وعلى خصوم إيران أن يفهموا أن الطريق الوحيد لتحقيق السلام هو احترام إيران كقوة إقليمية مستقلة، وليس محاولة فرض الإملاءات عليها.
في نهاية المطاف، القرار بيد الغرب. إما أن يختار مسار الحوار القائم على الاحترام المتبادل، أو أن يواجه واقعًا جديدًا قد لا يكون مستعدًا للتعامل معه، حيث لن تظل إيران ملتزمة بسياسات الردع السابقة. مستقبل المنطقة يعتمد على القرار الذي ستتخذه القوى العالمية. فهل سيتعلمون من دروس التاريخ، أم أنهم على وشك تكرار خطأ قد يكلف الجميع ثمنًا لا يمكن تعويضه؟