ما أشبه اليوم بالبارحة.. الأكراد بين رهانات واشنطن الخاسرة وتكرار النكبات السياسية
اليوم 17:20
المعلومة/ تقرير.. على مدى عقود طويلة، شكّلت التحالفات الكردية مع الولايات المتحدة رهانًا سياسيًا عالي المخاطر، أثبتت التجربة التاريخية أنه رهان خاسر في معظم محطاته. فمن جمهورية مهاباد التي سقطت مع تبدل المزاج الدولي، إلى نكسة عام 1975 حين أغلقت واشنطن الملف الكردي في العراق بقرار سياسي بارد، وصولًا إلى المشهد الحالي في شمال سوريا، تتكرر ذات القاعدة: الولايات المتحدة لا تمنح حلفاءها سوى دعم مؤقت، وتسحب يدها فور تغيّر خارطة المصالح. في عام 1975، مارست واشنطن دورا حاسما في إنهاء الحركة الكردية المسلحة في العراق، حين أوعزت إلى شاه إيران محمد رضا بهلوي بوقف الدعم العسكري والسياسي للأكراد، مقابل تسوية استراتيجية مع النظام البعثي. تلك الخطوة لم تكن سوى ترجمة واضحة لمنطق المصالح الأميركية، وأدت إلى انهيار مشروع سياسي كردي كان يُسوّق له حينها بوصفه مدعومًا دوليًا. اليوم، يعيد الموقف الأميركي من أكراد شمال سوريا إنتاج السيناريو ذاته، لكن بأدوات مختلفة. فالتراجع عن دعم قوات سوريا الديمقراطية، وإحالة ملفها إلى القيادة السورية الجديدة بزعامة الارهابي ابو محمد الجولاني يكشف بوضوح أن واشنطن قدّمت مجددًا مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها مع تركيا، الحليف المحوري في حلف الناتو، على أي التزام سياسي أو أخلاقي تجاه شركائها الميدانيين.
ويرى مراقبون أن هذه التحولات تحمل رسائل سياسية قاسية لأكراد العراق، مفادها أن الرهان على الخارج، ولاسيما الولايات المتحدة، لم يكن يومًا ضمانة حقيقية. ويحذر هؤلاء من أن الانخراط في مشاريع استخبارية أو الابتعاد عن الإطار الدستوري العراقي قد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطرة، ويضع إقليم كردستان في مواجهة أزمات سياسية وأمنية غير محسوبة النتائج. في هذا السياق، دعا القيادي في ائتلاف دولة القانون، النائب السابق جاسم محمد جعفر، القيادات الكردية، وعلى رأسها مسعود البارزاني، إلى مراجعة خياراتها السياسية والتخلي عن وهم الحماية الأميركية. وقال جعفر في تصريح لوكالة /المعلومة/ إن تخلي واشنطن عن أكراد سوريا لا يمثل حدثًا عابرًا، بل يعكس نهجًا ثابتًا في السياسة الأميركية، يعيد إلى الأذهان بوضوح سيناريو عام 1975 بكل تداعياته. وأكد أن النظام السياسي العراقي، بقيادة القوى الشيعية، وفّر للأكراد مكاسب دستورية وسياسية غير مسبوقة، أبرزها إقليم يتمتع بصلاحيات واسعة، وهو إنجاز لم يتحقق عبر الدعم الأميركي، بل عبر الشراكة الوطنية الداخلية. واعتبر أن الخروج عن هذا الإطار أو المراهنة على قوى خارجية قد يعرّض هذه المكاسب لخطر التآكل. من جانبه، رأى المراقب السياسي صباح العكيلي أن الموقف الأميركي الأخير لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب أولويات واشنطن في المنطقة، لافتًا إلى أن التصريحات الصادرة عن البنتاغون تعكس رغبة واضحة في طمأنة أنقرة، والتأكيد على أن أي تعاون مع “قسد” لا يعني دعم مشروع سياسي مستقل شمال سوريا. بدوره، حاول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا وسفير واشنطن لدى تركيا، توماس باراك، تبرير موقف بلاده بالقول إن واشنطن تدعم تسوية تفضي إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري، محذرًا من أن أي تأخير في هذا المسار سيضع “قسد” في مواجهة مباشرة مع دمشق وأنقرة معًا. ويخلص مراقبون إلى أن المشهد الراهن يؤكد حقيقة سياسية راسخة مفادها أن التحالفات المؤقتة مع القوى الكبرى لا تصنع ضمانات دائمة، وأن تجاهل دروس التاريخ يعيد إنتاج النكبات نفسها، وإن تغيّرت الأسماء والخرائط. انتهى/ 25م