هل تتكرر الموازنة الثلاثية وتداعياتها في 2026؟!
كتب / د. باسل عباس خضير …
الموازنة المالية للعراق تبدأ في 1 / 1 وتنتهي في 31 / 12 من كل عام ، ورغم إنا دخلنا عام 2026 منذ أيام إلا إن إخبار الموازنة للعام الحالي لا تزال بالانتظار ، وغيابها يثير عددا من التساؤلات : فمتى ستظهر للعيان ؟ وهل ستكون أحادية او ثلاثية ؟ وكيف ستتمكن من معالجة المشكلات المالية للبلاد ؟ ، والتساؤل الأول تصعب الإجابة عنه لان الاستحقاقات التي تلت الانتخابات لم تكتمل إلا بشوطها الأول ، فالخطوة التالية تتطلب انتخاب رئيس الجمهورية بثلثي أعضاء البرلمان ، وعند انتخابه سيكلف الكتلة الأكبر لتشكيل الحكومة ، والكتلة الأكبر ستسمي رئيس الوزراء وعند تكليفه سيشكل حكومته ويعرضها مع برنامجه الانتخابي للتصويت ، والحكومة القادمة من خلال مجلس الوزراء هي من ستتولى المصادقة على مقترحات موازنة 2026 التي تتولى إعدادها وزارتي المالية والتخطيط ، وهذه الأمور تستغرق 4 شهور بأحسن الأحوال اخذين بعين الاعتبار ما ستتطلبه من مناقشات في مجلس النواب بدورته الحالية الذي سيواجه او موازنة له للبلاد ، وكل ذلك يعني بان الأمور المالية ستسير على وفق الطريقة التي تم التعود عليه بنسبة 1 : 12 من إنفاقات الشهر المعني من العام الماضي وكما معروف فان 2025 شهد غياب الموازنة المعدلة .
ووزيرة المالية الحالي ( التي من المتوقع أن تجدد ولايتها لمرتين ) ، صرحت قبل شهور بان موازنة 2026 ستكون مختلفة عن بقية الأعوام من حيث عدم اعتمادها الأبواب ولكنها لم تعلن هل إنها مفردة أم ثلاثية السنوات ، فقانون الإدارة المالية رقم 9 لسنة 2019 أجاز في مادته 4 / ثانيا لوزارة المالية إعداد موازنة متوسطة لمدة 3 سنوات ، وقد تم العمل بهذا الجواز عند إعداد وإصدار موازنة الثلاث سنوات الفائتة ، وهي موازنة أظهرت بعض المزايا والعيوب ، ومن مزاياها إنها قللت الجهد والخلافات السنوية في إعداد ومصادقة الموازنات التي كنا نشهدها منذ سنوات ، وعدت نافدة من بداية التقويم المالي للسنتين 2024 و2025 ، وكان المفروض إن يستفاد منه في استمرار المشاريع دون توقف ودعم اللامركزية من خلال تخويل المحافظات وتقليل الصراعات السياسية قبل الإقرار وطمأنة المستثمرين بان أموالهم موجودة بالفعل ، لكن ما يعاب عليها هو عدم قدرتها على مواكبة التغيرات في بلد يعيش باقتصاد ريعي ، وتحولها كأداة لخلاف بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بتوقيتات تمرير جداول المتغيرات ، فجداول 2025 لم تقدم رغم المطالبات ، وشهدت قصورا في تمويل التعاقدات مما اضطر المقاولين لتنظيم تظاهرات لدفع ما يستحقون .
وموازنة 2026 تواجه تحديات جسام في تسديد الديون الداخلية والخارجية وكيفية مواجهة العجز الناجم من نفقات باتت تمثل التزام فيما يتعلق بالرواتب والدعم الحكومي والقرارات التي شرعت بعد إعداد الموازنة ، وفي الوقت الذي يفرض قيود على الموازنة القادمة لانخفاض أسعار النفط فان ما سيشكل ( كابوسا ) هو كيفية مواجهة الإنفاقات الحاكمة ومعالجة العجز بحكمة وانتظام ، وهذا الموضوع بات يقلق الجمهور قبل المخططين ، فما يتم تداوله إن تغييرات ستحصل اضطرارا في أسعار صرف الدولار وفي فرض الضرائب والرسوم وزيادة أجور الخدمات وربما إيقاف بعض الفعاليات ، ووجه القلق لمحدودي ومعدومي الدخل إنهم يواجهون صعوبات في تدبير أمورهم بالوضع الحالي فكيف سيواجهون الظرف القادم الذي فيه شد الأحزمة على البطون ؟ ، كما يخشى البعض من حصول كساد في الاقتصاد المحلي مما يؤثر على كل القطاعات باعتباره استهلاكيا ويعتمد على حركة الأسواق التي تمول من الموازنة لحد كبير .
وفي بلد غني بالموارد والثروات ويحتاج إلى تفعيل قطاعات الإنتاج للنهوض والرقي بأعلى المستويات ، فانه يأمل من الحكومة القادمة أن تحقق له ما لم يتحقق وأكثر من الذي تحقق في سابق السنوات ، بان تكون قادرة على الحد من تفاقم المشكلات والتعامل معها بحلول ناجعة أينما تكون ، فهذه الحكومة يفترض أن تمثل الإرادة الشعبية التي أسهمت في الانتخابات بمشاركة أكثر من 56% من الناخبين ، وليس المطلوب منها ان تعمل المعجزات وإنما استخدام الإدارة الكفوءة في منع الهدر والحد من الفساد والحفاظ على المال العام ، و الغالبية تأمل لان يكون التغيير بمنهاج وليس بصدمات وان تحفظ مصالح الناس التي تؤمن متطلبات الحد المقبول في الرفاهية والحياة ، وان يتم ولوج الأساليب غير المطروقة في ضغط النفقات وتعظيم الإيرادات لا من خلال الضغط بفرض ضرائب ورسوم على الضعفاء فمن الضروري صياغتها بشكل دقيق ، و من الأمور الهامة تحليل أسباب الإخفاق والنجاح في السنوات السابقة وتنمية الموارد وجعلها في الاستخدام الصحيح ، ومن المناسب جدا الاتعاظ من تجارب الآخرين في تحاشي الظروف والأسباب التي أضرت باقتصاديات الدول ، ومنها دول المنطقة التي تعاني من ويلات التضخم والكساد وتدهور العملات ، ومن المؤكد إن حكومة من النوع الذي يسعى للمعالجة والإصحاح بمنطق العقل وضمير المسؤولية ستواجه صعوبات وتحديات ، ولكنها بذات الوقت ستحظى بإعجاب وقبول ودعم من الجميع ، وقبل ذلك رضا الله الذي يتقدم كل الأسبقيات ، وندعوه سبحانه الكريم بان يعين أهل القرار بان يوجدوا لنا هكذا نوع من الحكومات .