edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  1. Home
  2. مقالات
  3. من فاوست إلى إبستين: كيف يتجسّد الشيطان في الإنسان؟
من فاوست إلى إبستين: كيف يتجسّد الشيطان في الإنسان؟
مقالات

من فاوست إلى إبستين: كيف يتجسّد الشيطان في الإنسان؟

  • Today 16:59

كتب / نادية حرحش
هل ما نشهده مجرد انحرافات فردية، أم أننا نعيش داخل منظومة تنتج الشر وتحميه؟ بين فاوست الذي عقد صفقة مع الشيطان، وهمبرت الذي زيّف الحب ليبرر الانتهاك، يقف إبستين كشاهد على زمن لم يعد يحتاج إلى شيطان خارجي، بل يكفيه إنسان يملك المال، والسلطة، والبلاغة. هذا النص محاولة لقراءة إحدى أظلم الحلقات المعاصرة، من خلال عدسة الأدب، والفلسفة، والسياسة.

ad
لا أعرف كيف يمكن وصف المشاعر التي تعتلي المرء عند مشاهدة الصور التي كُشف عنها مؤخراً ضمن الوثائق المرتبطة بإبستين. في كل مرة تظهر صورة لطفلة أو مراهقة تتوسطها وجوه هؤلاء الرجال — كضباع ملتفة حول فريستها — أو صور لنساء غائبات عن الوعي، لا نعلم ما الذي جرى لهن في تلك الأماكن المعتمة، أشعر برعشة مرعبة تعتم في داخلي. كأنني لا أعيش واقعاً، بل أشاهد فيلماً أو مسلسلاً يصوّر قبح المعتوهين وظلم الجبابرة.
ad
في السينما، ننتظر النهاية لنرى الانتقام من الظالم، وغالباً ما يُصوَّر هذا الظالم ككائن ينتمي إلى أسافل العالم، إلى قاع المجتمع. نُقنع أنفسنا أن الواقع الصعب أو الهامش هو ما يُنتج الجرائم الشنيعة. لكن ما هو مرعب في قصة إبستين أن “العالم السفلي” تبيّن أنه قمة الهرم، لا قاعدته. كأن قاعدة الهرم انقلبت لتصبح رأسه، بما تحمله من فظائع متشعبة ومتراكبة. كيف استطاع شخص واحد أن يبني هكذا بنية هرمية للفظائع، وأن يجعل قمتها المكان الأكثر ظلمة؟
الأكثر إرباكاً أن هذه الفظاعة تبدو وكأنها تختصر، في مشهد واحد يعيد إنتاج نفسه، خلاصة ثلاث قصص أدبية عالمية: فاوست، والأستاذ ومارغريتا، ولوليتا.
في فاوست (1808)، يقدّم غوته عالماً يائساً من حدود العقل، يعقد صفقة مع الشيطان: لذة وتجربة مقابل الروح. يظهر الإغواء هنا كفعل متعمَّد تُمارسه قوى الشر. في قلب المسار تقف مارغريت، الفتاة البريئة التي تتحطم حياتها نتيجة الصفقة. إنها ضحية اتفاق لم تشارك فيه.
بعد أكثر من قرن، كتب ميخائيل بولغاكوف رواية الأستاذ ومارغريتا (نُشرت بعد وفاته عام 1966). الشيطان هنا لا يعود وسيطاً فردياً، بل يظهر في موسكو ليحوّل الرغبة إلى عرض مسرحي جماعي. وولند لا يُغوي شخصاً واحداً، بل يضع المدينة كلها أمام مرآة نفاقها. مارغريتا، بعكس غريتشن-مارغريت-، تدخل هذا العالم بإرادتها. الرغبة لم تعد خطيئة سرّية، بل مشهداً عاماً.
ثم جاءت لوليتا(1955) للكاتب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف لتُحدث قطيعة: لا شيطان، لا صفقة، لا قوى خارقة. كل شيء يتم عبر اللغة وحدها. همبرت همبرت لا يُغوي الطفلة لوليتا فقط، بل القارئ نفسه، عبر سرد مخادع وجميل. هنا لا حاجة للشيطان: الإنسان وحده يكفي. قال نابوكوف عن روايته: “لوليتا ليست قصة عن الانحراف، بل عن فقدان الإنسان للواقع تحت سطوة اللغة”
منذ ذلك الحين، صار الانحراف قابلاً للتجميل، والبلاغة قادرة على تبرير الجريمة. فُتحت أبواب للمتخيل المنحرف، وصارت “لوليتا” رمزاً للبراءة المُستباحة بلغة الحب.
وفي حالة إبستين، لا نعود أمام استعارة أدبية، بل أمام واقع يكرّر تطوّر الأدب، لكن بطريقة معكوسة. لم تعد هناك حاجة لعقد روحي، ولا لوسيط شرير، ولا حتى لإغواء متقن. الرغبة تحوّلت إلى نظام. الانحراف أصبح مؤسسياً، ينتج “لوليتات” بلا رأفة، بلا صوت، بلا حماية.
وكأن فاوست بدأ بالعقد، وتحوّل في الأستاذ ومارغريتا إلى مسرح شيطانيّ جماعيّ، ثم اكتمل في لوليتا حين صار الإنسان نفسه هو الشيطان.
هذا كله يقودنا إلى سؤال فلسفي: كيف أصبح الانحراف نظاماً؟
يمكن قراءة هذه البنية من خلال ما كتبه فوكو عن الجسد والسلطة، أو نيتشه في وصفه للعقاب كوسيلة لغرس الأخلاق في الجسد. فالساحات العلنية التي شهدت العقاب الدموي في أوروبا، تحوّلت إلى جزر خاصة، منعزلة، تُمارس فيها السيطرة بصمت. تغير المشهد، لكن منطق القهر لم يتغير.
في هذا النظام، تصبح الطفولة الذروة الأخطر: الجسد الأسهل للضبط، الأقل مقاومة، والأكثر قابلية للمحو. لكن القضية ليست الطفولة وحدها، بل اقتصاد كامل للأجساد: نساء، أطفال، مهمشون. يُنقلون، يُخفون، يُستهلكون، ثم يُمحون.
الأسئلة هنا كثيرة:
لماذا تنتصر هذه القذارة؟
ما الذي جعل البيدوفيليا رغبة متكررة داخل دوائر النفوذ؟
من أين جاءت هذه القوة؟
ما الذي قدّمه إبستين حتى هرعت خلفه نخب سياسية واقتصادية؟
وكيف يمكن لشخص واحد أن يحوّل الفساد والانحطاط إلى ما يشبه منتجعاً مغلقاً للنفوذ؟
قد يكون إبستين قد اختفى من المشهد- الحياة-، لكن الشبكة التي مكّنته ما زالت حية. منظومة تُعيد إنتاج نفسها، وتحمي من ينتمي إليها، وتحوّل القانون إلى مظلة للنفوذ بدل أن يكون وسيلة للمساءلة. في هذا السياق، لا تبدو الجرائم استثناءً، بل نتيجة منطقية لنظام يُعلي الحماية على العدالة.

محمد المعموري, [2/4/2026 3:39 PM]
وتزداد الأسئلة خطورة حين تظهر إشارات إلى علاقات محتملة بين إبستين وأجهزة استخباراتية، بينها ما كُتب عن ارتباطات بالموساد. حتى وإن ظلت هذه الاتهامات في دائرة الشك، فإن مجرد وجودها يكشف هشاشة الخط الفاصل بين الجريمة والسياسة. فحين تُغلّف الجرائم ضد البراءة بالصمت، وتُحمى بحسابات أمنية، يصبح الفساد محمياً لا مطارداً.
لكن قبل الغرق في الفرضيات، يبقى السؤال الجوهري: كيف سُمح لهذه الجرائم أن تستمر؟ كيف حُميت منظومتها بهذا الشكل؟
والأدهى من كل ذلك: لماذا تتحوّل البيدوفيليا تحديداً إلى رغبة متكررة داخل دوائر النخبة؟
نحن لا نتحدث عن انحراف عابر أو شهوة هامشية، بل عن الانحدار إلى القاع — قاع الشر الإنساني في أنقى أشكاله. وإذا كان الاغتصاب من أبشع ما يُرتكب، فإن البيدوفيليا تمثل أمّ الجرائم: لأنها لا تنتهك الجسد فحسب، بل تسلب البراءة، وتقتل الروح، وتحوّل الإنسان إلى أداة في يد من يملكون كل شيء.
وما يجعل الجريمة أكثر فظاعة ليس الفعل ذاته، بل موقع من يرتكبه: أولئك الذين يقدّمون أنفسهم كحرّاس “العالم المتحضّر”، ومعلّمي القيم، وخطباء الأخلاق، ومهندسي الخطاب الإنساني.
في هذه اللحظة لا ينهار الضحايا وحدهم، بل ينهار معنى الأخلاق نفسه. ينهار ادّعاء الحضارة حين يصدر عن قمم الفساد.
السؤال لم يعد: أين الشيطان؟ بل: كيف وصلنا إلى عالم لم نعد بحاجة فيه إلى الشيطان؟

اقرأ أيضا

All
(قاعدة عين الأسد بيد الأسود: بين التحديات ألسياسية ومكانتها الأستراتيجية)
مقالات

(قاعدة عين الأسد بيد الأسود: بين التحديات ألسياسية ومكانتها...

من فاوست إلى إبستين: كيف يتجسّد الشيطان في الإنسان؟
مقالات

من فاوست إلى إبستين: كيف يتجسّد الشيطان في الإنسان؟

عارُ إعلامنا العربيّ يسير عاريًا والغربيّ يُهندِس وعينا
مقالات

عارُ إعلامنا العربيّ يسير عاريًا والغربيّ يُهندِس وعينا

“ابستين”.. و”نظريّة المضافة”: المُقرِف والأقرَف!
مقالات

“ابستين”.. و”نظريّة المضافة”: المُقرِف والأقرَف!

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • ترندات
  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديو
  • كاريكاتير

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا