محادثات مسقط: هل يهرب ترامب إلى الصفقة أم يقود العالم إلى الحرب؟
كتب / نجاح محمد علي
تأتي تهديدات دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية في سياق معقد يجمع بين التصعيد العسكري، والمناورة السياسية، والابتزاز الدبلوماسي، واستخدام الإعلام كسلاح حرب نفسية. ظاهر الخطاب يوحي بالسعي إلى اتفاق، لكن باطنه يكشف مشروع إخضاع شامل لا يختلف جوهريًا عن منطق الحروب التقليدية، وإن اختلفت أدواته.
أولًا: التهديد كأداة حرب لا كوسيلة تفاوض
ترامب لا يستخدم التهديد بوصفه ورقة ضغط تفاوضية عادية، بل كجزء من استراتيجية حرب نفسية تهدف إلى:
كسر الإرادة السياسية للخصم.
زعزعة ثقة الداخل الإيراني بقيادته.
فرض معادلة “إما الاستسلام أو التدمير”.
فالحديث عن “تفضيل الحل السلمي” لا يتجاوز كونه خطابًا تجميليًا لتهيئة الرأي العام الأمريكي والدولي، وتحميل إيران مسؤولية أي مواجهة قادمة، تمامًا كما حصل في تجارب سابقة في العراق وأفغانستان.
ثانيًا: أهداف ترامب الحقيقية ليست تفاوضية بل استسلامية
المطالب الأمريكية المعلنة لا تمثل أرضية تفاوض، بل شروط إذعان كامل:
تفكيك البرنامج النووي بالكامل، لا تجميده أو ضبطه.
نزع القدرة الصاروخية، أي شلّ قوة الردع الاستراتيجية.
قطع العلاقة مع قوى المقاومة الإقليمية، أي تجريد إيران من عمقها الجيوسياسي.
هذه ليست “تنازلات متبادلة”، بل عملية تفكيك شاملة لمقومات السيادة والقوة، وهو ما يعني أن أي اتفاق وفق هذه الشروط لن يكون سلامًا، بل وثيقة استسلام.
ثالثًا: التصعيد الميداني يؤكد أن الحرب هي المسار الواقعي
إسقاط الطائرة المسيّرة، الحشد البحري في الخليج الفارسي، المناورات العسكرية، والتصريحات المتكررة عن “رد أعنف من السابق”، كلها ليست إشارات تفاوض، بل مقدمات عملياتية لسيناريو مواجهة مفتوحة.
وفي العقيدة الأمريكية، لا تأتي الضربة إلا بعد:
إنهاك الخصم اقتصاديًا.
عزله سياسيًا.
شيطنته إعلاميًا.
تفكيك جبهته الداخلية نفسيًا ومعنويًا.
وكل هذه المراحل قد استُكملت إلى حد بعيد.
رابعًا: الرهان على الداخل الإيراني جزء من عقيدة الحرب الشاملة
تعتمد واشنطن على نموذج “الانهيار من الداخل” عبر:
العقوبات القصوى.
التحريض الإعلامي المكثف.
دعم شبكات الاختراق السياسي والاجتماعي.
الاستثمار في أي احتجاج أو اضطراب.
لكن هذا الرهان ليس بديلًا عن الحرب، بل تمهيدًا لها، لأن الانهيار الداخلي – إن حصل – يسهل الضربة الخارجية، ولا يمنعها.
خامسًا: الموقف الإيراني قراءة استراتيجية لا رد فعل عاطفي
التحذير الإيراني من أن أي عدوان سيشعل المنطقة ليس تهديدًا إعلاميًا،فهو توصيف واقعي لمعادلات القوة الحالية:
جغرافيا الصراع لن تبقى محصورة داخل إيران.
حلفاء إيران الإقليميون سيصبحون أطرافًا مباشرين.
الاقتصاد العالمي، وخاصة الطاقة والممرات البحرية، سيدخل في دائرة الخطر
وهذا ما يجعل خيار الردع لا خيار التطمين هو المسار العقلاني الوحيد.
سادسًا: شعار الحرس الثوري نظرية أمن قوم
قوله تعالى:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ… ﴾ شعار الحرس الثوري الإيراني ، لا يعني الدعوة للحرب، إنه تأسيس معادلة تمنع الحرب عبر رفع كلفتها على العدو.الإعداد هنا ليس تكديس سلاح فحسب، بل:
إعداد سياسي.
إعداد إعلامي.
إعداد اقتصادي.
إعداد شعبي.
إعداد استخباراتي.
وكل ذلك ضمن رؤية ردع تجعل الحرب خيارًا خاسرًا للعدو قبل أن تكون مدمّرة للمستهدف.
الخلاصة الاستراتيجية:
المحادثات ليست مسار سلام، إنها أداة حرب مؤجلة.
التهديدات ليست ضغطًا تفاوضيًا، إنها تمهيد لصدام.
المطالب ليست شروط اتفاق، إنها شروط استسلام.
والخيار الواقعي الوحيد لردع هذا المسار ليس حسن النية، ولا الرهان على التفاهم، بل بناء ميزان قوة يجعل الحرب غير مجدية، ويحوّل التهديد من أداة هجوم إلى عبء على صاحبه.
فالمحادثات خدعة… والحرب واقعة لا محالة، إلا إذا فُرض ميزان ردع يجعل العدو يعيد حساباته، لا نواياه.
ففي عالم تُدار فيه السياسة بمنطق القوة، لا يُصان السلام إلا بالقوة.
صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية والإقليمية