“هاكابي” ونهاية الدبلوماسية
ثمة سفير يطوي خرائط الأمم المتحدة جانبا ليفرش على الطاولة تفسيرات توراتية تتبناها تيارات قومية مسيحية متزمتة في الغرب تتعلق بحدود دول الشرق الاوسط، انه السفير الأميركي في (إسرائيل) مايك هاكابي. ففي لحظة تكشف عن المرجعيات الخفية للصراعات والحروب وتحكم الايديولجية بالدبلوماسية لا سيما في تعقيدات الشرق الاوسط ، أعلن ذلك السفير أن ابتلاع إسرائيل للشرق الأوسط بأسره أمر مقبول، مستندا إلى تأويلات لنصوص توراتية ومبشرا بحريق إقليمي يمتد من النيل إلى الفرات.
لقد جرت العادة أن يتحدث الدبلوماسيون بلغة المصالح والتوازنات، غير ان هذا الرجل يتحدث بلسان الحروب الدينية، فهذا التصريح الفاضح يمثل رصاصة على جسد القانون الدولي وميثاق وستفاليا الذي أسس لمفهوم سيادة الدول.
“هاكابي“ لا يهدد فلسطين وحدها، هو يمحو كيانات ودول ويستبيح أراض وشعوب، مقدما إياها قربانا على مذبح الأيديولوجيا القومية-الدينية المتطرفة التي ترى في الخراب الإقليمي نبوءة واجبة التحقق، وعقلية تستبدل الدستور بالنبوءات وتستعيض عن طاولة الحوار بمقصلة الإلغاء الشامل لكل ما هو عربي.
يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير “من يجعلك تؤمن بالسخافات، قادر على جعلك ترتكب الفظائع”، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية الكبرى،إذ ان دمج المطلق الديني مع النسبي السياسي ينتج دائما كارثة دموية لا تبقي ولا تذر. وحين تستمد الجغرافيا شرعيتها من نصوص تأويلية وتتحول الأراضي إلى هبات مقدسة لأعراق معينة، تفقد الإنسانية بوصلتها الأخلاقية، وتصبح الإبادة مجرد تفصيل صغير، وتغدو تصفية دماء الآمنين مجرد قربان زائف للتقرب والغفران.
وثمة غرابة اخرى هي ذلك الاستقطاب الذي يقوده إعلاميون تخلوا عن مهنيتهم ليتحولوا إلى مروجين لحروب الإلغاء الوجودي محاولين شرعنة التمدد الاستعماري تحت غطاء الحق السماوي، ما يعكس حدوث أزمة حضارية عميقة تضرب جذور النخب الغربية التي طالما صدعت رؤوسنا بقيم حقوق الإنسان وحريات الشعوب والديمقراطية، تقف اليوم لتبرر أعتى درجات التوحش ومصادرة حق شعوب بأكملها في الحياة المستقلة والوجود الآمن. فالسياسة هنا لم تعد فن الممكن كما عرفناها عبر العصور، إنها باتت فن التدمير الشامل باسم الحقوق المتوهمة.
فالمسألة تتجاوز التخبط الدبلوماسي العابر، لتكشف عن صدع خطير في بنية النظام العالمي المعاصر، في ما تجد المجتمعات العربية نفسها اليوم في مواجهة آلة استعمارية عاتية لا تعترف بالحدود المرسومة، وتستمد وقودها من تأويلات وتفسيرات لنصوص دينية، فالخرائط التي رسمت يراد لها الآن أن تحترق بنيران جنون العظمة وعمى التعصب الأيديولوجي، لتسقط الأقنعة المتمدنة كاشفة عن وجه عالم تسوده شريعة الغاب حيث تنام الإنسانية جمعاء على فوهة بركان لا يعلم أحد متى يقذف حممه الأخيرة.