هل تتحرر واشنطن من اللوبي الصهيوني؟
كتب / محمد محسن الجوهري
لأول مرة، تبادر دولة إسلامية إلى قصف الكيان لردعه وليس كردة فعل على اعتداءاته، وللمرة الأولى أيضاً تقف واشنطن على الحياد من استهداف العدو الصهيوني، أي أننا أمام معادلة جديدة تشير إلى تغير قواعد اللعبة وبأن الكيان لم يعد محمياً لدى رعاته الغربيين.
قبل سنة من اليوم، أعلن ترامب أنه أوقف الصراع في جبهة البحر الأحمر مكتفياً بحماية السفن الأميركية دون غيرها، تاركاً الملاحة الإسرائيلية بمفردها في مواجهة القوات اليمنية، عندها سمعنا تحليلات تتحدث عن تخلي أميركي محتمل عن أمن الكيان، وبالفعل بدأت واشنطن سحب حمايتها بالتدريج، والدوافع كثيرة منها سمعة الكيان الإجرامية وحرص الأميركيين على ما تبقى من سمعتهم، إضافةً إلى الاقتصاد الأميركي المنهار بسبب المعونات المجانية للكيان، ولولا ملفات إبستين لأعلن البيت الأبيض -ربما- عن براءته كلياً من المواقف الإسرائيلية، إلا أن فضائح الجزيرة المظلمة تفرض على ترامب بعض الانحياز الشكلي لتل أبيب، ما يعني أن الدوافع الدينية في نصرة الكيان قد تلاشت هي الأخرى.
ما يؤكد هذه الفرضية هي قتامة المشهد السياسي والاجتماعي داخل الكيان نفسه، حيث تسود حالة من الارتباك والغضب تجاه المجرم نتنياهو وسط مطالبات بعزله بسبب عبثه بملف الأمن القومي للكيان، وللمرة الأولى نجد الشارع الصهيوني غير متحمس للتصعيد ضد طرف مسلم، والسبب يكمن في فشل المؤسسة العسكرية والأمنية في الرد بالطريقة التقليدية التي اعتاد عليها الجمهور الإسرائيلي—والتي كانت تعتمد تاريخياً على سياسات الاغتيالات النوعية والاستعراض العسكري المكثف، أو ما يُوصف بـ “العربدة” السياسية.
لقد تسبب المجرم نتنياهو حرفياً في تآكل هيبة الردع التي لطالما كانت الركيزة الأساسية للحكومات اليمينية. وهذا العجز عن المبادرة، أو بالأحرى الانصياع الفوري للضغوط الأمريكية بعد تغريدات دونالد ترامب، نُظر إليه في الداخل الإسرائيلي كدليل على ضعف القيادة وتراجع القدرة على اتخاذ قرار مستقل بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
نتيجة لذلك، أصبح المصير السياسي لنتنياهو في مهب الريح؛ فالمعارضة تترقب أي زلة إضافية لتعميق جراح حكومته، بينما تزداد حدة الانتقادات الإعلامية التي باتت تصور نتنياهو كزعيم عاجز عن مواكبة “معادلة الردع الجديدة” التي فرضتها إيران، مما يضع حكومته في مواجهة مباشرة مع احتمالية الانهيار تحت وطأة الضغوط الداخلية المتزايدة وفقدان الثقة الشعبية في وعود “القوة الغاشمة”.
وقد يحاول المجرم ترميم سمعة الكيان بافتعال حرب جديدة مع طرف آخر أضعف من إيران، ولكنه قد يقحم نفسه وحكومته في أزمة أخرى وتداعيات قد تكون أكثر كارثية لأن الوضع اليوم غير قابل للتنبؤ، كما أن تراجع الهيبة قد يفرض معادلة جديدة وظهور أعداء جدد، خاصة أن هناك حديثاً عن تحالفات إسلامية تتشكل بصمت كنتيجة طبيعية لتراجع القبضة الأميركية على المنطقة بعد الفشل الأميركي أمام إيران وعجز ترامب عن فتح مضيق هرمز بقوة السلاح.
وإذا عدنا للتاريخ، فإن هزيمة المملكة المتحدة أمام الشعب الإيرلندي وثورته العظيمة في عشرينيات القرن الماضي، كانت ممهدة لسلسلة من الهزائم التي انتهت بسقوط الإمبراطورية الأكبر في العالم في ذلك الوقت، ولعل الإمبراطورية الأميركية على وشك أن تخسر هيمنتها الخارجية للأسباب نفسها، وكل تراجع في الدور الأميركي له تداعياته على أمن الكيان ومستقبله، فالتغييرات الدولية عادةً ما تنتهي بظهور قوى وأفول أخرى، وقد يكون الكيان من القوى الآفلة بعد أن فشل في التحول إلى دولة طبيعية في المنطقة.