تمويل عجز الموازنة في العراق
كتب / د. هيثم المنصور
ينظر الى تمويل الموازنة العامة من خلال احداث عجز مقصود عبر الدين ، على انه حالة واقعية اضطرارية مع ما يعانيه الاقتصاد العراقي من مشاكل ومعضلات لم تجد الحلول المناسبة في الحفاظ على استدامة الواردات في ظل المتغيرات الجيوسياسية و الضغوط الاقتصادية الدولية.
مع هذه المناخات يقف تمويل بنود تخصيصات الانفاق العام من الرواتب والتشغيلي مشكلة حقيقية امام عملية إدارة الاقتصاد الوطني ، كون هذه النفقات توصف بالصلابة امام جميع خيارات وحلول الاقتصاد الممكنة قصيرة الاجل ، وبالتسليم للعجز كاستجابة موضوعية لبند من بنود الانفاق العام المهمة، فان تنفيذ سياسة التمويل بالعجز الحكومي سيصاحبها وينتج عنها بالضرورة كلفة اقتصادية هيكلية كبيرة. ما يتطلب موازنة دقيقة بين الحفاظ على الاستقرار المعيشي وبين إنقاذ الدولة من الإفلاس المالي على المدى البعيد.
تتمثل الكلفة الاقتصادية لهذا العجز في تآكل الأصول واختناق النمو الحقيقي؛ فعندما تلتهم النفقات الجارية، التي تشكل الرواتب والتقاعد والمنح الجزء الأكبر من 80% من الإيرادات الكلية من الموازنة العامة، فإن الحكومة تضطر قسراً للتضحية بالاستثمار الرأسمالي. هذا الخلل يؤدي إلى تقادم البنى التحتية وضعف الإنتاجية الكلية من جهة ، ومن جهة ثانية فان تمويل العجز عبر الاقتراض الداخلي يستنزف السيولة من النظام المصرفي، مما يرفع تكلفة الائتمان للقطاع الخاص فيولد “اثر المزاحمة”. ويعيق نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي الذي يواجه صعوبة في تجاوز معدلات النمو المتدنية حالياً.
وطبقا للتمويل بالعجز فان الكلفة الاجتماعية، تظهر بوضوح عند أي محاولة جادة لضغط هذه النفقات، حيث تصطدم السياسات الإصلاحية بواقع اعتماد ملايين العائلات كلياً على الموازنة العامة كشبكة أمان اجتماعي وحيدة. إن الفجوة الكبيرة في الامتيازات بين القطاعين العام والخاص تجعل من الوظيفة الحكومية هدفاً استراتيجياً للأفراد، وأي مساس بها في ظل غياب بدائل إنتاجية حقيقية قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر وتفاقم الفوارق الطبقية، مما يهدد السلم الأهلي والاستقرار السياسي.
لذا، فإن السياسة المثلى للتعامل مع هذين النوعين من التكاليف تكمن في التفكيك المتدرج للارتباط الريعي، من خلال تحويل العجز من عبء استهلاكي يستنزف الاحتياطيات إلى محرك تنموي. يتم ذلك عبر توجيه جزء من الأموال نحو مشروعات واستثمارات الربط الدولي والممرات الاقتصادية التي تخلق فرص عمل موازية، مع ضرورة توحيد قوانين الضمان الاجتماعي لتشجيع الانتقال نحو القطاع الخاص. الهدف النهائي هو تقليص العجز الهيكلي سنوياً دون إحداث صدمة معيشية، مما يضمن رفع معدل نمو القطاعات غير النفطية ، ويحول الموازنة من أداة لتصريف الريع إلى محفز لإنتاج الثروة واستدامتها.
اذن يعد استحداث ركائز استثمار موازية لعملية التمويل بالعجز الهدف منها التخفيف المستقبلي من كلفته الاقتصادية والحد مستقبلا من الاضطرار له، وعلى رأسها خطوط النقل الدولية والممرات اللوجستية العابرة للحدود، الخيار الاستراتيجي الأهم لتحويل العراق من “ممر جغرافي صامت” إلى “مركز مالي نشط” قادر على معالجة العجز الهيكلي بعيداً عن تقلبات أسعار النفط. إن الاستثمار في مشاريع كبرى مثل طريق التنمية وميناء الفاو الكبير يمثل عملية تحويلية لهيكلية الاقتصاد، حيث تساهم هذه الخطوط في تعظيم القيمة المضافة للموقع الجغرافي العراقي الذي يربط التجارة الآسيوية بالأسواق الأوروبية. وتُقدر العوائد المباشرة من رسوم العبور (الترانزيت) والخدمات اللوجستية بمليارات الدولارات سنوياً، مما يوفر تدفقات نقدية بالعملة الصعبة تساهم في تقليل الاعتماد على الريع النفطي الذي يشكل حالياً أكثر من 90% من إيرادات الموازنة.
تتجاوز الجدوى الاقتصادية لهذه الركائز البديلة مجرد تحصيل الرسوم، لتصل إلى خلق “مناطق اقتصادية خاصة” على طول مسارات النقل، مما يحفز توطين الصناعات التحويلية وتنشيط قطاع الخدمات اللوجستية والتأمين والصيانة. هذا التوسع النوعي كفيل بخلق عشرات الالاف من فرص العمل الجديدة، ما يخفف الضغط التاريخي على بند الرواتب في الموازنة العامة ويقلص الكلفة الاجتماعية الناتجة عن البطالة.
كما أن هذه المشاريع تفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي المباشر بنظام الشراكة بين القطاعين العام والخاص، مما يسمح بتنفيذ بنى تحتية عملاقة دون تحميل الخزينة العامة أعباء ديون جديدة، ويسهم في رفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة مستهدفة تصل إلى 5% سنوياً، مما يضمن استدامة المالية العامة وتحويل العجز الهيكلي من استهلاك للثروة إلى بناء للأصول السيادية المنتجة.