هندسة الشرق الأوسط الجديدة , هل بدأت الدول الصغيرة مرحلة الذوبان؟!
كتب / د. راجي العوادي...
لم يعد الحديث عن شرق أوسط جديد مجرد تكهنات سياسية ، بل هو مسار جيوسياسي نراه يتشكل أمام أعيننا ، مسارٌ لا يرحم الكيانات الصغيرة التي أخطأت في حساباتها الاستراتيجية ، وظنت أن الولاء للأجنبي هو صك ضمان لبقائها .
إن التاريخ الذي نراه اليوم ليس صدفة ، بل هو إعادة ضبط لخريطة المنطقة ، حيث تُبتلع الدول الصغيرة لا بالضرورة عبر الدبابات ، بل عبر تجريدها من استقلال قرارها.
لعنة التأسيس القلق
تكمن مشكلة العديد من دول المنطقة (مثل الكويت ، قطر، البحرين ، لبنان ، وربما الإمارات) في أن تأسيسها جاء ضمن سياقات دولية لم تُبْنَ على قاعدة صلبة من الاكتفاء الذاتي أو العمق الحضاري المنيع , هذا التأسيس القلق جعلها كيانات هشة ، تعيش في حالة خوف دائم من التفكك أو الابتلاع ، مما دفعها للارتهان للمظلات الأمنية الأجنبية , لكن التاريخ الذي استلهمناه من مصائر الشريف حسين ، وخزعل الكعبي ، ونوري سعيد ، وحتى شاه إيران ، يُقدم لنا درساً واحداً قاسياً , بان القوى الكبرى لا تملك حلفاء ، بل تملك وظائف . بمجرد انتهاء وظيفة الحاكم أو الدولة ، أو حين تقتضي المصالح الدولية إعادة ترتيب المنطقة ، يتم التخلي عن هؤلاء الحلفاء في لحظة خاطفة ، تاركين إياهم أمام مصيرهم المحتوم.
يعتقد المخططون الاستراتيجيون للمشروع الأمريكي أن استقرار المنطقة يتطلب الانتقال من تفتت الدول الصغيرة إلى اندماجها في كتل إقليمية كبرى قادرة على ضبط الأمن وتأمين تدفق الموارد. في هذا المنظور:
يُنظر إلى لبنان في هذا المشروع , كجزء من منطقة عازلة أمنياً، حيث يرى المخططون أن الترتيبات الإقليمية القادمة قد تضع أجزاءً منه تحت مظلة أمنية تضمن مصالح القوى الإقليمية المهيمنة (بما فيها الترتيبات الأمنية مع إسرائيل) لإنهاء حالة الساحة المفتوحة التي تهدد الاستقرار.
أما دول الخليج الصغيرة ، فإن الرؤية الأمريكية تتجه نحو إدماجها في منظومات إقليمية أوسع تقودها القوى الإقليمية الكبرى (مثل السعودية في محيطها) لتبسيط خارطة التحالفات وتقليل عدد اللاعبين الذين يتطلبون حماية مباشرة.
استراتيجية التذويب الأمريكية
ما نراه اليوم هو تصميم أمريكي عازم على تذويب هذه الدول وإعادة صياغة أدوارها , هذه ليست حماية ، بل هي عملية إعادة هيكلة جيوسياسية. يتم ذلك عبر:
1. استنزاف السيادة: جعل هذه الدول جزءاً من منظومات أمنية واقتصادية تُدار من الخارج ، بحيث لا تملك أي منها قراراً استراتيجياً خارج الإجماع الذي تفرضه واشنطن.
2. خلق التبعية : تحويل هذه الدول إلى منصات وظيفية لخدمة المصالح الدولية ، مما يجعلها رهينة لمتغيرات السياسة الخارجية الأمريكية التي لا تهتم باستقرار الكيان بقدر اهتمامها بتدفق الموارد واستقرار النفوذ
إعادة صياغة الإمارات.. بين الاقتصاد والأمن
في العقلية الاستراتيجية الأمريكية ، تُعد الإمارات مركزاً عالمياً لا يمكن تركه دون هندسة أمنية دقيقة , فالتفكير هنا يميل نحو تقاسم النفوذ لضمان عدم خروج هذه المنصات الاقتصادية عن المدار المرسوم لها, قد يعني ذلك مستقبلاً توزيعاً للأدوار بين القوى الإقليمية الكبرى لضمان استقرار الممرات البحرية والمناطق الاقتصادية ، بحيث لا تظل دولة بمفردها تمتلك قدرة على التأثير المستقل الذي قد يتعارض مع المسار العام للمنطقة.
لماذا هذا التوجه؟
ينطلق المخططون من قناعة بأن النظام الإقليمي القديم (اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى) قد استنفد أغراضه ، وأنه لم يعد قادراً على احتواء التحديات الحديثة (مثل الأمن المائي ، التنافس الصيني- الروسي ، والطموحات الإقليمية) لذا، فإن التذويب أو إعادة الهيكلة هو الوسيلة الوحيدة لمنع الانهيار الشامل للدول الهشة ، عبر تحويلها إلى أجزاء من كيانات أكبر وأكثر استقراراً تحت إشراف قوى إقليمية حليفة للغرب.
لماذا الذوبان وليس التفتيت؟!
لقد انتقلت الاستراتيجية الأمريكية من التفتيت إلى الدمج لأن التفتيت أثبت أنه محرك للفوضى غير المنضبطة ، التي تستهلك موارد واشنطن وتفتح أبواب المنطقة أمام القوى المنافسة كالصين وروسيا , لذا جاء الذوبان كبديل أكثر ذكاءً؛ حيث يتم دمج الدول الصغيرة في منظومات أمنية واقتصادية وتقنية إقليمية موحدة تقودها وتراقبها واشنطن , هذا الدمج يعمل كآلية احتواء ناعم تجعل الدول تفقد خصوصيتها الاستراتيجية تدريجياً لصالح كتلة واحدة منسجمة مع المصالح الأمريكية, وبدلاً من تفتيت الدول جغرافياً، يتم إذابة سيادتها في أطر جماعية (مثل تكامل الدفاع الجوي) مما يقلل من قدرة هذه الدول على اتخاذ قرارات مستقلة أو الانفتاح على معسكرات دولية بديلة. إنها عملية تحويل للكيانات السياسية من دول ذات إرادة منفصلة إلى وحدات وظيفية داخل شبكة أمريكية كبرى، تضمن الاستقرار بالمعنى الذي تريده واشنطن دون الحاجة لتدخلات عسكرية مكلفة. وبذلك، تصبح الدول الصغيرة ذائبة في هذا النسيج، حيث تُمتص تناقضاتها الداخلية وتُوجه طاقاتها ومواردها لخدمة أهداف الاستراتيجية الكبرى، مما يجعل تفككها أو تمردها أمراً بالغ الصعوبة تقنياً ولوجستياً.
إن ما يخطط له الان لذوبان الدول الصغيرة ، هو استجابة لرؤية استراتيجية أمريكية ترى أن الشرق الأوسط الجديد يجب أن يكون أقل تعقيداً وأكثر قابلية للضبط , فالدول التي لا تستطيع التأقلم مع هذا الدور الجديد أو التي تفتقر للعمق الاستراتيجي ، سيُعاد تعريف مكانتها ومصيرها بما يخدم هذا التصور , فنحن اليوم أمام شرق أوسط جديد يُعاد فيه رسم الأدوار، وفي هذا المسرح ، لا مكان للصغار الذين يرتكز وجودهم على وعود القوى الكبرى.
إن قطار إعادة الهيكلة قد انطلق ، والرهان على المظلات الخارجية لن يؤدي إلا إلى سرعة الذوبان , فهل يدرك صناع القرار في هذه الدول أن السيادة التي لا تُحمى بجذور وطنية صلبة هي سيادة مؤقتة ، وأن التاريخ لا يرحم من يظن أن الحليف القوي سيحمي عرشه في لحظة الانهيار؟
خاتمة: العبرة التي لا تُقرأ
إن المراهنة على الخارج للنجاة في شرق أوسط جديد هي مقامرة خاسرة , فالدول التي لا تمتلك جذوراً قوية في أرضها ، ولا تحقق اكتفاءها الذاتي في مواردها الأساسية ، هي دول قابلة للتفكك أو للذوبان في أطر إقليمية أكبر, والتاريخ يُعيد نفسه لمن يريد أن يرى؛ فالوعود البريطانية بالأمس هي الوعود الأمريكية اليوم ، والنتيجة دائماً هي تخلي الحليف الأكبر عن التابع الأصغر بمجرد تبدل المصالح , والسؤال الذي يجب أن يطرحه قادة هذه الدول اليوم ليس كيف نضمن حماية الحليف الأجنبي؟ بل كيف نبني حصانتنا الذاتية قبل أن يأتي يوم الذوبان.