مغارة الدليمي وتنّور الدولارات
كتب / د. الياس الأحمد ...
في بلادٍ أُرهقت من الوعود، لم تعد الفضائح تُفاجئ أحداً، بل صار العراقيون ينتظرون كشف الملف التالي كما ينتظرون نشرة الطقس. وبين مغارات المال المخفي وتنّور حرق الدولارات، تتطاير شظايا المليارات المنهوبة فوق رؤوس المواطنين الذين ما زالوا يبحثون عن كهرباء لا تنطفئ وماء لا ينقطع.
وفي ارقة الفساد في العراق شاهدنا مغارات تتسع لأكياس الدولارات أكثر مما تتسع لأحلام الشباب، وعن شبكات نفوذٍ أتقنت فنّ تحويل الدولة إلى غنيمة، فيما تُرفع شعارات الإصلاح نهاراً وتُدار صفقات المحاصصة ليلاً.
واليوم، ومع تصاعد الصراعات بين أجنحة السلطة، يبدو أن موسم تصفية الحسابات قد بدأ، صقور الأمس تنهش حمائم الأمس، وحلفاء الأمس يتبادلون الاتهامات والملفات كل طرف يلوّح بوثائق الفساد وكأنه اكتشفها للتو، رغم أنه كان شريكاً في صناعتها أو الصمت عليها سنوات طويلة.
أما المواطن، ذلك المتفرج الإجباري على مسرح الفضائح، فيسأل: إذا كانت كل هذه الملفات موجودة، فلماذا لم تُفتح إلا عندما اختلف المتنفذون؟ ولماذا تصبح العدالة نشطة فقط عندما تتصدع التحالفات؟
إن مكافحة الفساد لا تكون بانتقائية الخصوم ولا بتبادل التسريبات، بل بقضاءٍ مستقل يطارد الفاسد أياً كان اسمه أو منصبه أو كتلته ، فالمليارات التي أُهدرت ليست ملكاً للأحزاب، بل أموال شعبٍ دفع ثمنها فقراً وبطالةً وخدماتٍ متردية.
ويبقى السؤال معلقاً فوق رماد التنّور السياسي: هل نحن أمام معركة حقيقية لاسترداد المال العام، أم أمام فصل جديد من صراع الكبار على النفوذ، حيث يُحرق بعض الفاسدين ليبقى التنّور مشتعلاً للآخرين؟