هل تمتد يد بغداد لصفع فساد إقليم كردستان؟
كتب / د. ياس الأحمد
يشهد المشهد العراقي في الآونة الأخيرة تصاعداً في الحديث عن ملفات الفساد، بالتزامن مع تحركات حكومية ورقابية تستهدف تعزيز الرقابة على المال العام. وفي هذا السياق، يبرز سؤال يفرض نفسه بقوة: هل تستطيع بغداد أن تفتح ملفات الفساد في إقليم كردستان بالقدر نفسه الذي تتابع فيه الملفات داخل المحافظات الخاضعة للإدارة الاتحادية؟
هذا السؤال لا يتعلق بإقليم كردستان بوصفه خصماً سياسياً، وإنما بمبدأ دستوري يقوم على أن حماية المال العام ومكافحة الفساد مسؤولية تشمل جميع مؤسسات الدولة، من دون استثناء أو تمييز، فالدستور العراقي منح المؤسسات الاتحادية صلاحيات في مجالات محددة، وفي المقابل منح الإقليم مساحة من الإدارة الذاتية، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحول دون المساءلة القانونية عندما يتعلق الأمر بالمال العام أو الموارد المشتركة.
وتزداد أهمية هذا الملف مع استمرار الجدل بشأن الإيرادات النفطية، والمنافذ الحدودية، والرواتب، وآليات الإنفاق العام، وهي ملفات ظلت لسنوات محوراً للخلاف بين بغداد وأربيل. ويرى مراقبون أن غياب الشفافية وتداخل الاعتبارات السياسية أسهما في تعقيد الوصول إلى حلول مستدامة، الأمر الذي انعكس على ثقة المواطنين في قدرة المؤسسات على فرض القانون بصورة متساوية.
في المقابل، يؤكد آخرون أن أي تحرك لمعالجة ملفات الفساد يجب أن يستند إلى الأدلة والإجراءات القضائية، بعيداً عن الخطاب السياسي أو الإعلامي، حتى لا يتحول إلى أداة لتصفية الخلافات بين الحكومتين، فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد يقاس بقدرتها على تطبيق القانون على الجميع، لا باستهداف جهة دون أخرى.
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الاتحادية لا يكمن في إطلاق الشعارات، بل في بناء منظومة رقابية وقضائية قادرة على الوصول إلى جميع الملفات، مع احترام الدستور واستقلال القضاء وضمان حقوق جميع الأطراف. فالدولة التي تطبق القانون بعدالة تعزز ثقة المواطنين، وترسخ مبدأ أن لا أحد فوق المساءلة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول مكافحة الفساد إلى مشروع وطني شامل يعبر الانقسامات السياسية والجغرافية، أم تبقى رهينة التوازنات والاتفاقات التي طالما عطلت حسم الملفات الأكثر حساسية؟ الإجابة لن تصنعها التصريحات، بل الإجراءات القانونية والنتائج التي يلمسها المواطن على أرض الواقع.