فساد العراق .. عندما تتحول الجريمة إلى عرف والنزاهة إلى ندم
كتب / د. راجي العوادي
في كل دول العالم ، شرقًا وغربًا ، توجد ثغرات يتدفق منها الفساد ، وتوجد سرقات للمال العام تُكتشف وتُحاسب أو تمُر في الظل , لكن ما يحدث في العراق منذ عقود يتجاوز مفهوم الفساد الإداري التقليدي ؛ إننا أمام ظاهرة فريدة من نوعها ، ظاهرة حوّلت السرقة من جريمة تُرتكب في الخفاء تحت طائلة الخوف ، إلى مؤسسة متكاملة الأركان ، تُمارَس علنًا ، وتُحمى بالقانون ، وتُبرر بالدين والسياسة.
لقد وصل الحال في المشهد العراقي إلى انقلاب وجودي في المفاهيم الأخلاقية، حيث لم يعد السارق هو من يشعر بالخزي أو يخشى الندم ، بل أصبح الإنسان النزيه والشريف هو من يعيش وابلًا من الندم ، لسان حاله يقول : لماذا حافظت على نظافة يدي بينما يتقاسم الآخرون كعكة الوطن دون حسيب؟
كيف تختلف السرقة في العراق عن بقية العالم؟
إذا كان الفساد في العالم يعتمد على ذكاء السارق في إخفاء أثره ، فإن الفساد في العراق يعتمد على وقاحة الآلية وقوة الغطاء , وتتلخص هذه الفرادة في عدة أبعاد:
من حيث الكم (الأرقام الفلكية): لا نتحدث هنا عن اختلاس آلاف أو ملايين الدولارات ، بل عن مليارات تُبتلع في غضون أسابيع (كما حدث في قضية سرقة القرن الشهيرة وغيرها) ميزانيات إنفجارية تبني دولًا من الصفر، اختفت في دهاليز مشاريع وهمية لا وجود لها إلا على الورق.
من حيث الكيفية والآلية (مأسسة الفساد): السارق في العراق لا يعمل بمفرده , السرقة تتم عبر شبكات معقدة تبدأ من الموظف البسيط، وتمر بالمدير العام ، وتصل إلى الوزير، مدعومة بـ المكاتب الاقتصادية للأحزاب , الفساد هنا ليس خرقًا للنظام ، بل هو النظام نفسه.
الغطاء والتحصين : السارق في العراق محمي بـ الحصانة المكوناتية أو النفوذ المسلح , او الحزب المهمين . إذا حاولت الجهات الرقابية محاسبة فاسد ، تحركت الماكينة الطائفية أو الحزبية لإنقاذه ، ليتحول اتهام الفساد فورًا إلى استهداف سياسي أو مؤامرة ضد المكون .
التبرير الفقهي والسياسي: هنا تكمن الفاجعة الكبرى؛ حيث يتم غسل الأموال المسروقة بتبريرات عقائدية أو سياسية , يُقنع السارق نفسه (ويُقنع أتباعه) بأن هذا المال هو حق مسترد ، أو غنائم ، أو أموال مشاعة لا مالك لها !
سيكولوجية ندم النزيه ونشأة العرف الفاسد
عندما يرى المواطن البسيط أو الموظف الشريف أن حيتان الفساد يعيشون في قصور فارهة ، ويتنقلون بسيارات مصفحة ، ويتمتعون بالحصانة والتبجيل الاجتماعي ، بينما هو يعجز عن تأمين قوته اليومي أو علاج أطفاله لأنه رفض أن يمد يده إلى الحرام ، هنا تنكسر المنظومة القيمية للمجتمع.
لقد تحول الفساد في العراق إلى عرف اجتماعي متداول؛ فالموظف الذي لا يرتشي يُنظر إليه أحيانًا من قِبل محيطه (وحتى من بعض عائلته) على أنه ضعيف أو مغفل لا يعرف كيف يدبر أموره , وفي المقابل ، يُنظر إلى الفاسد الذكي على أنه شاطر وصاحب نفوذ .
هذه البيئة المشوهة خلقت شعورًا عارمًا بالندم لدى الشرفاء ، ليس لأنهم يريدون السحت الحرام ، بل لأنهم شعروا بأن الوطن الذي ضحوا من أجل نزاهته ، يكافئ السارق ويعاقب الأمين.
المعادلة المقلوبة : هل من أمل؟
إن استمرار هذا الوضع يعني الموت السريري للدولة. فالشعوب لا تسقط بسبب قلة مواردها ، بل تسقط عندما تفقد البوصلة الأخلاقية ، وعندما يصبح القانون سوطًا يُجلد به الضعيف ويُحمى به اللص.
خلاصة القول : إن محاربة الفساد في العراق لم تعد بحاجة إلى لجان تحقيقية أو نصوص قانونية جديدة ، بل هي بحاجة إلى ثورة قيمية شاملة تُعيد تعريف الشرف ، وتهدم العرف الفاسد الذي جعل اللص فخورًا بسرقته ، والشريف نادمًا على نزاهته, يجب أن يعود الخوف إلى مكانه الطبيعي : في قلوب السارقين ، لا في صدور الشرفاء.