edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. المتقاعد العراقي… من صانع الدولة إلى رهينة السيولة
المتقاعد العراقي… من صانع الدولة إلى رهينة السيولة
مقالات

المتقاعد العراقي… من صانع الدولة إلى رهينة السيولة

  • Today 14:03

كتب / ألاستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي

كيف تحولت حقوق استُحقت بعد عقود من الخدمة إلى رواتب معلقة بانتظار “توفر السيولة”، بينما يفترض أن تكون صناديق التقاعد ضمانًا للكرامة لا مصدرًا للقلق؟

المتقاعد لا ينتظر إحسان الدولة، بل ينتظر حقًا أمضى عمره في صناعته.

كلما تأخر راتب متقاعد، لا تتأخر معه معيشة إنسان واحد فحسب، بل تتأخر قيمة الدولة نفسها. ليست قيمة الدولة بما تمتلكه من نفط أو ثروات أو موازنات ضخمة، وإنما بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه من أفنوا أعمارهم في خدمتها. فالطريقة التي تعامل بها الدولة متقاعديها ليست مجرد سياسة مالية، بل هي مقياس أخلاقي وحضاري يكشف مدى احترامها للإنسان الذي بنى مؤسساتها وحمل مسؤولياتها لعقود طويلة.

ومن هنا، فإن تكرار الحديث الحكومي كل شهر عن “أزمة السيولة” لا يمكن أن يكون مبرراً مقنعاً عندما يتعلق الأمر برواتب المتقاعدين الأصليين. فهؤلاء لم يحصلوا على رواتبهم بمنحة أو هبة أو مكرمة من سلطة سياسية، وإنما اكتسبوا هذا الحق بعد خدمة امتدت بين خمس عشرة سنة وأكثر من أربعين عاماً، وكان يفترض أن تكون الأموال المخصصة لتقاعدهم قد أُمنت واستُثمرت وحُفظت منذ اليوم الأول لاستقطاعها.

إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس: لماذا تأخر الراتب؟ بل: أين ذهبت أموال المتقاعدين؟ وكيف تحول حق مالي ثابت، تراكم عبر عشرات السنين، إلى ملف يخضع كل شهر لمزاج ما يسمى “توفر السيولة”؟

في معظم دول العالم، لا يُنظر إلى المتقاعد بوصفه عبئاً على الخزينة، بل باعتباره إنساناً أدى واجبه تجاه وطنه، ويستحق أن يعيش بقية حياته بكرامة. ولذلك تُدار صناديق التقاعد هناك باعتبارها مؤسسات استثمارية ضخمة، تحقق عوائد مالية تضمن استدامة الرواتب، بل وتوفر مزايا إضافية للمتقاعدين.

وفي تركيا، يتمتع المتقاعدون بمنظومة من المزايا الاجتماعية والصحية، إلى جانب برامج للدعم والإسكان وتسهيلات في النقل وفق الأنظمة النافذة. أما في العديد من الدول الأوروبية، فإن المتقاعد يحظى بمنظومة متكاملة من الرعاية الصحية، والتأمين الاجتماعي، والتخفيضات في النقل والخدمات العامة، بل إن بعض الدول توفر أنشطة ثقافية وترفيهية خاصة بكبار السن، لأن فلسفة الدولة هناك تقوم على أن سنوات التقاعد هي سنوات الوفاء، لا سنوات الإهمال.

أما في العراق، فإن الصورة تبدو معاكسة تماماً. فالمتقاعد يخرج من وظيفته ليجد نفسه في مواجهة الحياة وحيداً. يدفع ثمن دوائه، وثمن مراجعاته الطبية، وثمن نقله، وثمن معيشته، بينما تتآكل القوة الشرائية لراتبه مع ارتفاع الأسعار. ثم يُطلب منه بعد ذلك أن ينتظر كل شهر موعد صرف راتبه، وكأنه يتسلم صدقة مؤقتة لا حقاً ثابتاً كفله القانون.

إن تأخير رواتب المتقاعدين ليس مجرد إجراء إداري، بل قضية إنسانية تمس شريحة يغلب عليها المرض وكبر السن. فالكثير منهم يعتمد على أدوية يومية لا يمكن تأجيلها، وبعضهم يحتاج إلى جلسات علاج أو مراجعات طبية مستمرة. فالمرض لا ينتظر قراراً من وزارة المالية، ولا تؤجل الصيدليات تسليم الدواء حتى تتحسن السيولة، ولا تمنح المستشفيات مواعيدها وفق جداول الصرف الحكومي. ولذلك فإن أي تأخير في الراتب قد يتحول بالنسبة لبعض المتقاعدين من أزمة مالية إلى أزمة صحية، وربما إلى تهديد مباشر لحياتهم.

ثم إن القضية لا تتوقف عند تأخير الرواتب، بل تمتد إلى فلسفة النظام التقاعدي نفسه. فبينما ينتظر المتقاعد الأصلي، الذي خدم الدولة عشرات السنين، موعد استلام راتبه، نشأت عبر السنوات شرائح أخرى مُنحت حقوقاً تقاعدية استناداً إلى قوانين خاصة تختلف في شروطها وأسسها عن قانون التقاعد الموحد.

لقد توسعت هذه التشريعات حتى أصبح المشهد التقاعدي في العراق قائماً على نظامين مختلفين: نظام يقوم على الخدمة الطويلة ، ونظام آخر يقوم على امتيازات استثنائية منحتها قوانين خاصة. ويمكن، من باب المجاز السياسي، وصف هذه الظاهرة “التقاعد الفضائي”، لأنها أوجدت امتيازات لا تقوم دائماً على المعايير نفسها التي يخضع لها الموظف الاعتيادي.

ولا يتعلق الاعتراض هنا بالأشخاص، وإنما بعدالة النظام نفسه. فليس من المنطق أن يُطلب ممن خدم أربعين عاماً أن ينتظر راتبه بحجة عدم توفر السيولة، بينما تتحمل الخزينة العامة أعباء منظومة واسعة من الامتيازات والاستحقاقات التي أوجدتها قوانين استثنائية.

ولو كانت أموال صناديق التقاعد تُدار وفق أسس اقتصادية سليمة، وتُستثمر كما يحدث في كثير من دول العالم، لتحولت إلى مصدر قوة للدولة وللمتقاعد معاً، ولما اقتصر دورها على دفع راتب شهري فقط. كان من الممكن أن توفر سكناً لائقاً، وتأميناً صحياً شاملاً، وأدوية مجانية، وتخفيضات في النقل، وبرامج اجتماعية وترفيهية تحفظ كرامة الإنسان بعد سنوات طويلة من الخدمة. لكن سوء الإدارة وغياب الرؤية الاقتصادية حوّلا صندوق التقاعد من مؤسسة يفترض أن تصنع الأمان للمواطن بعد نهاية خدمته، إلى صندوق لا يملك سوى الانتظار. وهكذا أصبح المتقاعد العراقي يعيش قلق الاستحقاق الشهري، في وقت كان من المفترض أن تكون سنوات التقاعد أكثر سنوات حياته استقراراً وطمأنينة.

إن راتب المتقاعد لا ينعش أسرته وحدها، بل ينعش الأسواق أيضاً. فهو يذهب إلى الصيدليات، ومحال المواد الغذائية، وأجور النقل، والعيادات الطبية، والخدمات اليومية. ولذلك فإن تأخير صرف رواتب مئات الآلاف من المتقاعدين لا يضر بهذه الشريحة وحدها، بل يصيب الحركة الاقتصادية بالركود، ويؤثر في آلاف أصحاب المهن والأعمال الصغيرة الذين تعتمد دخولهم على دوران هذه الأموال داخل السوق. فراتب المتقاعد ليس إنفاقًا استهلاكيًا فحسب، بل هو جزء من الدورة الاقتصادية التي تحافظ على دوران الأسواق المحلية.

إن إصلاح هذا الملف لا يبدأ بالبحث عن سيولة مؤقتة، بل بإعادة بناء فلسفة التقاعد من أساسها. فحقوق المتقاعدين ليست بنداً يمكن تأجيله، ولا عبئاً على الموازنة، بل هي ديون مستحقة في ذمة الدولة. وأي إصلاح مالي حقيقي ينبغي أن يبدأ بإعادة النظر في منظومة الامتيازات الخاصة، وتوحيد معايير الاستحقاق التقاعدي على أساس الخدمة الفعلية والعدالة بين المواطنين، وإدارة أموال صناديق التقاعد إدارة استثمارية شفافة تضمن استدامتها للأجيال المقبلة.

ويبقى السؤال الذي لن تستطيع أي حكومة الإفلات منه: كيف تطلب الدولة من مواطن أن يخلص لها أربعين عاماً، ثم تعجز عن أن تضمن له راتباً يتقاضاه في موعده؟

إن الأمم لا تُخلِّد أسماء حكوماتها لأنها امتلكت فائضًا في الموازنة، بل لأنها حفظت كرامة الإنسان حتى آخر يوم من حياته. والمتقاعد العراقي لا يطلب امتيازًا استثنائيًا، ولا يبحث عن منّة من أحد؛ إنه يطالب بحق دفع ثمنه من شبابه وصحته وعمره. فإذا عجزت الدولة عن صون هذا الحق، فإن الأزمة لم تعد أزمة سيولة، بل أزمة عدالة، وأزمة إدارة، وأزمة وفاء لمن صنعوا الدولة قبل أن يغادروها إلى التقاعد.

إن أول دينٍ في ذمة الدولة ليس للدائنين ولا للمؤسسات، بل لذلك الموظف الذي سلّمها عمره وشبابه، ثم وجد نفسه في آخر الطريق ينتظر حقًا صنعه بسنوات خدمته، لا موعدًا مجهولًا لصرفه.

الأكثر متابعة

All
دراسة: البيض العضوي قد يكون أكثر ضررا على البيئة رغم أهميته الصحية

دراسة: البيض العضوي قد يكون أكثر ضررا على البيئة...

  • منوعات
  • 30 Jul
تحذيرات طبية من انخفاض ضغط الدم المفاجئ

تحذيرات طبية من انخفاض ضغط الدم المفاجئ

  • منوعات
  • 26 Jul
اخصائية باطنية تكشف عادات يومية قد تسرق من عمرك 15 عاما

اخصائية باطنية تكشف عادات يومية قد تسرق من عمرك 15...

  • منوعات
  • 30 Jul
هل سينقرض أصحاب الشعر الأحمر؟

هل سينقرض أصحاب الشعر الأحمر؟

  • منوعات
  • 27 Jul
شيعة العراق بين مشروع الدولة المؤجل واستعجال النتائج..!
مقالات

شيعة العراق بين مشروع الدولة المؤجل واستعجال النتائج..!

قمم الرمم.. حين يساق المرتزقة لخدمة إسرائيل..!
مقالات

قمم الرمم.. حين يساق المرتزقة لخدمة إسرائيل..!

حصر السلاح بيد الدولة، ولكن أي دولة؟
مقالات

حصر السلاح بيد الدولة، ولكن أي دولة؟

السعودية بين تحالف 2015 و تحالف 2026
مقالات

السعودية بين تحالف 2015 و تحالف 2026

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا