حين يصبح المنصب غنيمة: تموت الدولة .؟
كتب /طه حسن الأركوازي ||
ليست أزمة العراق اليوم نقصاً في الكفاءات ، ولا شحاً في العقول ، ولا فقراً في الخبرات ، فالعراق الذي قدّم للعالم “عُلماء وأطباء ومهندسين وقادة وإداريين” نجحوا في أصعب الظروف لا يُمكن أن يعجز عن إنجاب رجال دولة قادرين على إدارة مُؤسساته بكفاءة وأقتدار ، لكن المأساة الحقيقية تكمن في أن معيار الاختيار لم يعد يبدأ بالسؤال من هو الأكفأ ، بل بسؤال أكثر خطورة هو لمن يكون الولاء .؟ ومن هنا تبدأ قصة تآكل الدولة ، فحين تتحول الوظيفة العامة من مسؤولية وطنية إلى أستحقاق سياسي ، ومن تكليف لخدمة عامة إلى مُكافأة لتوازنات الأحزاب ، يصبح المنصب وسيلة لترسيخ النفوذ لا أداة لبناء المُؤسسات .
ومع مرور الزمن لم تعد المُحاصصة مُجرد آلية لتقاسُم السُلطة ، بل تحولت إلى منظومة مُتكاملة لإعادة إنتاج الفشل حتى غدا المنصب في كثير من مفاصل الدولة أقرب إلى حُصة تفاوضية منه إلى أمانة تستوجب الكفاءة والخبرة والنزاهة ، ولهذا فقدت مقولة :
«الرجل المناسب في المكان المناسب» معناها الحقيقي ، كون المُشكلة ليست في المبدأ ، بل فيمن يحتكر حق تفسيره وتطبيقه ، فمن الذي يُحدد أن هذا الشخص هو الأنسب .؟
وما المعايير التي أستند إليها .؟ وهل خضع لمُنافسة مهنية عادلة ، أم أن بطاقة الانتماء السياسي أصبحت أثقل وزناً من الشهادة ، وأقوى حُضوراً من الخبرة ، وأكثر تأثيراً من النزاهة .؟
إن الإدارة ليست منصة للخطابة ، ولا مُناسبة لالتقاط الصور ، ولا أستعراضاً للألقاب الأكاديمية ، بل هي علمٌ يقوم على المعرفة ، وتجربة تُصقل بالممارسة ، وقُدرة على أتخاذ القرار في الوقت المُناسب ، وتحمُل نتائجه بشجاعة ، ورؤية تتجاوز حدود المنصب إلى مُستقبل المُؤسسة والدولة ، فكم من صاحب أختصاص وجد نفسه بعيداً عن موقع يستطيع أن يخدم فيه وطنه .
وكم من منصب شُغل بشخص لا يمتلك من مُؤهلاته سوى رضا الجهة التي جاءت به ، وهكذا بدأ النزيف الصامت للدولة ، ليس نزيف المال وحده ، بل نزيف الخبرة ، ونزيف الثقة ، ونزيف الأمل ، فالمنصب لا يصنع القائد ، بل يكشف حقيقته ، فالقيادي الحقيقي لا يُقاس بحجم الصلاحيات التي تُمنح له ، بل بالأثر الذي يتركه بعد رحيله ، يدخل المُؤسسة فيُغادرها أكثر قوةً وأنضباطاً ، ويبني رجالاً لا أتباعاً ، ويُؤسس نظاماً قادراً على العمل من بعده ، لأن نجاحه يُقاس بأستدامة الإنجاز لا ببقائه في المنصب .
أما من يرى الكُرسي غايةً لا وسيلة ، فإنه يقضي سنواته في حماية موقعه أكثر من حماية مُؤسسته ، فيقترب من أصحاب التصفيق ، ويُقصي أصحاب الرأي ، ويُحاصر الكفاءات خشية أن تكشف محدودية أدائه وعندئذٍ يصبح النجاح في نظره أن يبقى في الواجهة لا أن تتقدم الدولة ، وهنا يكمن الفارق بين من يقود مُؤسسة ، ومن يجلس فوقها .
لقد أثبتت تجارب الدول الناهضة أن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من النفط ، ولا من المال ، ولا من وفرة الموارد ، بل من الإنسان . فسنغافورة لم تكن أغنى من العراق ،
وكوريا الجنوبية لم تمتلك ثرواته الطبيعية ، ورواندا خرجت من واحدة من أكثر الحروب الأهلية دموية في العصر الحديث ، لكنها جميعاً أدركت حقيقة لا تقبل الجدل هو أن الدولة لا تُبنى بعقلية توزيع الغنائم ، وإنما بعقلية بناء المُؤسسات .
أما في العراق فما زلنا ندفع ثمن مُعادلة مقلوبة ، يُقدم فيها الانتماء على الاختصاص ، والولاء على الإنجاز ، والتوازن الحزبي على المصلحة الوطنية ، وبهذه المُعادلة لا يخسر المُرشح الكفوء وحده ، بل تخسر الدولة فرصة جديدة للنهوض ، ويخسر المواطن حقه في إدارة كفوءة ، وخدمة أفضل ، ومُستقبل أكثر أستقراراً .
والمشكلة أن المُحاصصة لا تظلم الكفوء وحده ، بل تظلم ملايين المواطنين الذين لا يعرفون أسماء من حُرموا من تلك المناصب ، لكنهم يدفعون ثمن غيابهم كُل يوم ، في مدرسة تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم ، ومستشفى يئن تحت ضغط الإهمال ، وطريق يتعثر إنجازه ، وخدمة تتأخر سنوات بسبب قرار لم يصدر عن أهله .
ولهذا ، فإن أخطر ما تُنتجه المُحاصصة ليس مسؤولين ضُعفاء فحسب ، بل مُؤسسات ضعيفة ، ومُؤسسة ضعيفة تعني قراراً ضعيفاً ، وقراراً ضعيفاً يعني أقتصاداً هشاً ، وأمناً مُرتبكاً ، وخدمات مُتعثرة ، ومواطناً يفقد ثقته بالدولة عاماً بعد آخر ، وما إن تتآكل الثقة بين المواطن ومُؤسسات دولته ، حتى تبدأ الدولة بخسارة أهم عناصر بقائها وهي شرعيتها في نظر مواطنيها ، لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص ، بل بإصلاح قواعد الاختيار نفسها .
فالدول لا تُدار بالأمنيات ، وإنما بمنظومات واضحة تضع الرجل المُناسب في المكان المُناسب وفق معايير الكفاءة والاستحقاق والنزاهة ، لا وفق موازين النفوذ والترضيات السياسية .
إن أخطر ما تفعله المُحاصصة ليس فقط أنها تُنتج إدارة ضعيفة ، بل إنها تُصيب الدولة بما يمكن تسميته «أغتيال الكفاءة» ، فالكفاءة لا تُغتال دائماً بالإقصاء المُباشر ، بل قد تُغتال عندما تُدفع إلى الهامش ، أو تُحاصر حتى تيأس ، أو تُجبر على الهجرة أو تنسحب بصمت بعدما تُدرك أن الاجتهاد لم يعد طريقاً للتقدم ، وأن الولاء أصبح أقصر الطرق إلى المنصب . وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة ، فإنها لا تخسر مُوظفاً أو مديراً أو خبيراً فحسب ، بل تخسر رأس مالها البشري ، وهو الثروة التي لا تُعوض بالنفط ولا بالمال ، فالعقول التي تُهمل في الداخل ، تجد طريقها إلى الخارج ، وهناك تتحول إلى قوةٍ تبني أقتصادات أُخرى ، بينما يبقى الوطن يدفع ثمن خسارتها جيلاً بعد جيل . وليس من قبيل المصادفة أن الدول التي حققت قفزات نوعية في التنمية ، جعلت من الكفاءة ثقافة مُؤسسية لا أستثناءً مؤقتاً ، فهي لم تبنِ نجاحها على أشخاص أستثنائيين ، بقدر ما بنته على أنظمة تجعل وصول الأكفأ إلى موقع القرار أمراً طبيعياً ، لا معركةً يخوضها ضد أصحاب النفوذ .
أخيراً وليس آخراً .. أن العراق اليوم هو لا يُعاني من أزمة موارد بقدر ما يُعاني من أزمة إدارة للموارد . ولا من نقص في العقول ، بقدر ما يُعاني من ضعف في أستثمارها . ولذلك فإن أي مشروع للإصلاح لن يُكتب له النجاح ما لم يبدأ بتحرير مُؤسسات الدولة من هيمنة المُحاصصة ، وإعادة الاعتبار لمبدأ الجدارة بوصفه الضمانة الوحيدة لبناء مؤسسات مستقرة وقادرة على الاستمرار . فبناء الدولة لا يبدأ من تشييد الأبنية ، بل من بناء الإنسان الذي يديرها ، فالمُؤسسات العظيمة لا تُصنع بالإسمنت والحديد ، وإنما تُصنع بالعقول التي تمتلك رؤية ، والضمائر التي تعرف معنى الأمانة ، والقيادات التي تؤمن بأن المنصب مسؤولية أتجاه الوطن لا أمتياز يُستثمر لمصلحة الحزب أو أفراد …!