كيف تتم سرقات المال العام ؟!
كتب / د. بأسل عباس خضير …
المال العام هو كل ما تملكه الدولة أو تديره لتحقيق المنفعة العامة ، ويشمل العقارات والمنقولات المخصصة لخدمات الجمهور ، وكذلك الممتلكات والشركات الحكومية والمرافق العامة ، وعرفه القانون المدني العراقي في المادة 71 /1 ( تعتبر أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص المعنوية العامة والتي تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون) . وعلى هذا الأساس فان الدولة تمتلك أموالاً عقارية و منقولة فالأموال العقارية تتمثل بالطرق ، ومباني الوزارات ، المؤسسات ،والأراضي الأميرية ... الخ . أما الأموال المنقولة ، فتتمثل بأثاث المرافق العامة وأدواتها المختلفة والسلع التموينية المعدة للتوزيع وأوراقها المالية المودعة بالبنوك .
والحفاظ على المال العام من الواجبات الشرعية والقانونية ، ( وان تم الاختلاف على المال مجهول المالك في المذاهب الإسلامية ) ، فقد أمرنا الله سبحانه العظيم من أكل أموال الناس بالباطل بقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] ، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ المال العام بغير حق ، فقد روي أنه قال : ( وإن هذا المال حلوة ، من أخذه بحقه فنعم المعونة ، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ) ، والدستور العراقي جعل الحرمة للمال العام ، في نص المادة ٢٧ ( أولاً : للأموال العامة حُرمة ، وحمايتها واجب على كل مواطن ، ثانياً : تنظم بقانون ، الأحكام الخاصة بحفظ أملاك الدولة وإدارتها وشروط التصرف فيها ، والحدود التي لا يجوز فيها النزول عن شيٍء من هذه الأموال ) ، وقانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 ، يفرض عقوبات على جرائم المال العام وحسب المواد التي تناولت الرشوة والاختلاس وتجاوز حدود الصلاحية وغيرها .ض
والسؤال الذي يتكرر باستمرار ، إذا كان التجاوز على المال العام من المحرمات والممنوعات ، فكيف تم ويتم التجاوز عليه من خلال صور الفساد ، التي تشمل السرقات والاستيلاء على الممتلكات وتعطيل المشاريع ومصالح الناس والإثراء غير المشروع ، وسواها من الظواهر والحالات التي تزداد يوما بعد يوم ، والبعض منها تعدت حدود المعقول عندما تتجاوز محتوياتها و أرقامها كل المصدات والوسائل التي كان من الواجب إتباعها للحؤول دون تفاقم الموضوع ، والمشكلة ليست بما تم الكشف عنه وإنما بالحجم الحقيقي للجرائم والمخالفات التي لا تزال خارج قبضة السلطات ، فرغم إن الكشف عن حالات الفساد لم يتوقف منذ عقود ، إلا إن ما تم الكشف عنه في ( صولة الفجر ) يثير الاستغراب حقا ، من حيث حجم ما تم الإعلان عنه بالدليل والبرهان ، والمراكز الوظيفية للجناة ونوع المرفق العام الذي تتم فيه السرقات والفساد ، بما يشير إلى وجود استباحة لحدود تسمح بالأريحية والتمادي في الممارسات .
والاستغراب عن هكذا موضوع مسموح ، لان جهازنا الإداري الحكومي ليس حديث العهد وقد توارثنا العديد من سماته منذ تأسيس الدولة بعد عام 1921 ، وتقاليده وسياقاته تتطور لتواكب العديد من التطبيقات ، كما إن هناك هيكل حكومي معروف في تدرجه من مجلس الوزراء إلى ابسط التشكيلات من الشعب والوحدات ، ويتم كل ذلك في ظل أنظمة رقابة تبدأ من ابسط الوحدات الحسابية للصرف والإيراد ، كما إن هناك أجهزة عريقة وعملاقة في ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة التي يسندها القضاء ، وسلطة مجلس النواب في الاستضافة والاستجواب ، ولان الموضوع لا يتعلق بحالة واحدة وإنما بعدة مخالفات ، فان ذلك يؤشر و جود خلل في العديد من المفاصل والتسلسلات التي تسمج بالتجاوزات ، وتشخيص نقاط الخلل والضعف يشكل أهمية ملحة للحد مما يجري داخل و خارج السياقات ، وتأتي أهمية ذلك من إننا في بلد يمتلك موازنات اتحادية سنوية بمليارات الدولارات ، مما يتطلب الكشف السريع لإيقاف نزيف الهدر والفساد وما ينتج عنه من ضعف الحال وتدني الخدمات .
وتحليل هكذا موضوع ممكن وبسيط عندما يتعلق بمخالفة او انحراف قردي ، لأنه يمكن معرفته عند مخالفة لموظف ، من خلال لجنة تحقيقية وإجراءات استنادا لقانون انضباط موظفي الدولة رقم 14 لسنة 1991 ، ولكن الموضوع خطير جدا عندا يكون مكمن الفساد عند رأس الجهاز الإداري ، بما يؤشر لاستشراء حالة الفساد النظمي الذي تشارك فيه أطراف عديدة من داخل الجهاز الحكومي وخارجه ، وعند السؤال لماذا ، فان الجواب ، بأنه عمليات سرقات وفساد كبيرة بحجم ما يكشف عنه يتطلب إسهام جمعي من قبل الإدارة والحسابات والرقابة الداخلية والجهات الفنية مرورا بكل الحلقات ، ثم تتعدى ذلك بالصرف بمبالغ ضخمة بالدينار والدولار من قبل المصارف والتحويلات وإسناد من أحزاب وجهات وسواها من الحلقات ، والسرقات غالبا ما تترك حسادا وأعداء في الإجراءات وتقاسم الغنائم ، ولكنها لم نراها بمثل ما تم الكشف عنه لان اغلبه لم يتم من إبلاغ .
وان حدوث اعتداءات على المال بمستوى يحتاج إلى ( صولات ) ووضع الأجهزة الأمنية بحالة الإنذار ، يرقى إلى المستوى الذي يحتاج إلى عمق دقيق في التحليل لمعرفة المسببات ، فالتمادي لحدود أكثر من المعقول يؤشر عن خلل بنيوي في تركيبة وأداء بعض الأجهزة الإدارية ، ويمكن تأشير بعض الأسباب التي تترك فراغ او فجوات في الفساد ، أولها العوامل التي يتم بها إعداد الموازنة الاتحادية من حيث الطريقة التقليدية التي تستند على الأبواب والسرعة في الإعداد وتأخر إصدارها لشهور بعد بداية السنة المالية او غيابها لأعوام ، وطرق مناقشتها في البرلمان قبل الصدور ، وثانيها الاستثناءات التي تمنح في تعليمات الموازنة او قرارات مجلس الوزراء والتي تسمح بالتجاوزات ، وثالثها غياب التحليل الدقيق للحسابات الختامية والعجلة في المصادقة والمجاملات ، فنحن في 2026 وستتم مناقشة حسابات 2012 ، ورابعها إبقاء عدد كبير من مناصب الدولة تدار بالوكالات لعدة لسنوات بما يسمح بعدم الاستقرار ، وخامسها يرتبط بكفاءة التعيينات والمناصب التي تتم في الأجهزة الإدارية ، والتي يستند بعضها للشللية والامتيازات وتقريب أصحاب الولاء ، وسادسها ضعف أنظمة الرقابة الداخلية بما يجعل هيئات الرقابة المالية بضعف الجدوى والحرج في التدقيق اللاحق للصرف ، وسابعها التأخر الكبير في تطبيق الحكومة الالكترونية والحوكمة في الانجاز ،
وكل ما نذكر من تحليل بشان النتائج والأسباب ، تكرارا لما يتم ذكره كشعارات منذ سنوات ، والعبرة بالإرادة والرغبة في التغيير وليس الندم على ما جرى وما يجري من تجاوزات ، او رفع إشارات النصر بعد الكشف كانجاز ، والخلاصة إن مسلسل الكشف والإخفاء سيبقى قائما رهن المعالجات الحقيقية الشاملة بكل الأنواع ، ودونها لاتصان عذرية المال وتبقى كقضية مشابهة لجبل الجليد في البحر ( فرويد ) .