الذين لا تغيّرهم الأموال والمناصب..!
كتب / الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي
هناك أناسٌ لو مُلِّكوا الدنيا وما فيها، ما تغيّرت نفوسهم، ولا تبدّلت أخلاقهم؛ يبقون على فطرتهم، يعيشون البساطة والتواضع والزهد، لأن قلوبهم تعلّقت بالله لا بالدنيا.
📍وفي المقابل، هناك من تراه في بدايات حياته صاحب علمٍ وجهادٍ وعبادة، حتى تظنه من أولياء الله تعالى ، فإذا فتحت له الدنيا أبوابها، وحصل على المال أو المنصب، تغيّر كأنك أمام إنسان آخر!.
والفرق بين الصنفين يظهر عندما تُعطى لهما الدنيا: هل يملكانها أم تملكهما؟
📍ومن هنا نفهم معنى الرجال الذين يُنتظر منهم نصرة الحق والوقوف امام الظلم والفساد وكذلك نفهم الكنوز الذين ينتظرهم الامام المهدي عليه السلام ؛ أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلم تغيّرهم الدنيا ولم تفتنهم المناصب والأموال.
ولنقرأ هذه القصة العجيبة لنعرف حقيقة الإنسان عندما توضع الدنيا كلها بين يديه:
🖍️روي أن عيسى عليه السلام مرّ في بعض أسفاره مع جماعة من حوارييه، فوجدوا كنزًا في الطريق، فقالوا له: دعنا نقيم هنا ونأخذ الكنز حتى لا يضيع. فقال لهم: أقيموا أنتم، أما أنا فسأدخل البلدة أبحث عن كنزٍ آخر.
🖍️دخل عيسى عليه السلام البلدة، فدخل دارًا خربة، فوجد فيها عجوزًا وابنها اليتيم، وكان الغلام يجمع الشوك ويبيعه ليعيش هو وأمه.
🖍️فبات عيسى عليه السلام عندهما، ورأى في الغلام عقلًا واستعدادًا للكمال، لكنه وجد قلبه مشغولًا بهمٍّ شديد. فسأله، فأخبره أنه رأى ابنة الملك يومًا، فتعلّق قلبه بها، ولا يرى سبيلًا إلى الوصول إليها.
فقال له عيسى عليه السلام: إن كنت تريدها، سعيتُ في تزويجك منها ،فاذهب الى الملك واخطبها…..
🖍️ذهب الغلام إلى الملك، فاشترط عليه مهرًا من الجواهر واللآلئ لا تقدر عليه خزائن ملوك الدنيا. فعاد إلى عيسى عليه السلام، فأخذه إلى خربة ودعا الله تعالى، فإذا أحجارها قد تحولت إلى جواهر مما طلب الملك. حمل الغلام منها إلى الملك، فدهش الملك، ثم عرف أن وراء الأمر سرًا عظيمًا.
🖍️وعندما علم الملك بقصة عيسى عليه السلام زوّج الغلام ابنته، وجعله ولي عهده. ولم تمضِ إلا ليلة حتى مات الملك، فأصبح الغلام ملكًا، واجتمعت له الأموال والخزائن والجاه والسلطان.
🖍️وفي اليوم الثالث جاء عيسى عليه السلام ليودّعه، فقال له الغلام: لقد نقلتني في يومين من الفقر والضعف إلى الملك والسلطان، فلماذا لم تختر لنفسك هذا الملك؟
فقال له عيسى عليه السلام: إن العارف بالله، والبصير بفناء الدنيا، لا يرى في هذا الملك الزائل شيئًا أمام لذة معرفة الله وقربه.
🖍️ثم قال الغلام: فلماذا أوقعتني في هذه الفتنة؟
فقال عيسى عليه السلام: إنما فعلت ذلك لأمتحن عقلك، ولأرى هل تختار الآخرة بعد أن تصبح الدنيا كلها بين يديك، وليكون تركك لها حجةً على غيرك.
🖍️فما كان من الغلام إلا أن ترك الملك والجاه والمال، ولبس ثيابه القديمة، وتبع عيسى عليه السلام…….
📍ولأجل ذلك نستخلص من القصة عبرة؛ ليس الزاهد من لا يملك شيئًا، وإنما الزاهد من يملك الشيء ولا يملكه الشيء……
📍وليس الامتحان الحقيقي أن تعيش فقيرًا وأنت لا تملك شيئًا؛ إنما الامتحان أن تُفتح لك أبواب المال والمنصب والشهرة، ثم تبقى كما كنت: عبدًا لله، متواضعًا، صادقًا، لا تغيّرك الدنيا ولا تنسيك الله تعالى …