بيادق الصدفة
كتب / رياض الفرطوسي
تتحرك بعض المؤسسات على إيقاع مسرحية جرى إعدادها بعناية، لكن أبطالها على المسرح لا يدركون أنهم مجرد أقنعة عابرة.
في علم الاجتماع السياسي والإداري، لا تكمن المأساة الحقيقية في سقوط القامات، بل في صعود "النكرات" إلى سدة القرار. عندما تُفرغ المؤسسة من رؤيتها الفكرية وخلفيتها الثقافية، يصبح شغلُ المقاعد الشاغرة أمراً في غاية السهولة؛ إذ يكفي اختيار شخصيات قادمة من الفراغ، بلا مشروع ولا امتداد جماهيري ولا حمالة إرث، ليكونوا أداة طيعة يُحرّكها غيرهم، وتُستبدل فور انتهاء الصلاحية أو عند أول إخفاق.
إن هذا النمط ليس صدفة إدارية، بل نسق تشغيلي متكامل. فحين يتصدر المشهد شخص لا يملك سوى العوز إلى الدور، يكون مؤهلاً تماماً للعب دور "الدمية المؤقتة". يمارس سلطة أكبر من حجمه، ويدير مؤسسات عريقة بخفة واستهتار، مأخوذاً ببريق المناصب وطقوس البروتوكول الصاخبة، بينما الحقيقة الصارمة وراء الستار هي أنه يُنفّذ أجندة لغيره، ولا يملك من أمره شيئاً.
التاريخ السياسي والإداري مليء بصفحات المأجورين والكومبارس؛ شخصيات أُتيح لها أن تتسيد المشهد فجأة، وظنت أن صعودها كان بعبقريتها الذاتية، لكنها في الواقع كانت مجرد بيادق في حسابات السيطرة وضبط الأوضاع. وما إن تتردى الأمور، أو تنتهي المهمة المفروضة، حتى يُرفع الغطاء عنها، وتتلاطمها التغيرات لتعود إلى الفراغ الذي أتت منه، أو تُستبعد بطرق هادئة بعد أن أدت دورها ككبش فداء للتفاهة والارتهان.
إن تفكيك هذه الظاهرة في واقعنا اليوم يتطلب جراءة في التحليل. فالمؤسسات التي تُدار بشخصيات بلا إرث فكري ولا نضج سياسي تتحول سريعاً إلى هياكل هشّة تُنهب باسم "الاستقرار"، وتُدار فيها المصالح الحقيقية بعيداً عن أعين الجمهور. وحين نُقلّب صفحات الماضي ونقارنها بالحاضر، نكتشف أن الوجوه تتغير، لكن السيناريو واحد: "بيادق تؤدي دوراً وتختفي"، ويبقى الوطن والمؤسسة هما الضحية الوحيدة لهذه اللعبة المكرورة.