الصراع بين تركيا وإسرائيل ليس مسرحية..!
كتب / محمد صادق الحسيني ...
*من يقول إن الصراع بين تركيا وإسرائيل مجرد «مسرحية»، لا يختلف كثيراً عمّن يقول إن الصراع بين إيران وإسرائيل مسرحية. هذه ليست قراءة سياسية، بل هروب من فهم الجغرافيا والمصالح وموازين القوى إلى تفسير كل شيء بمنطق المؤامرة.*
الجيوسياسة لا تُدار بمسرحيات عبثية طويلة الأمد. الدول قد تناور، تكذب، تعقد صفقات مؤقتة، وتتعاون مع خصومها في ملف بينما تصطدم بهم في ملف آخر؛ لكن عندما تتعارض المصالح الاستراتيجية في مساحة جغرافية واحدة، يصبح الاحتكاك نتيجة بنيوية لا تحتاج إلى حب أو كراهية حتى تنشأ.
وهذا تحديداً ما يحدث بين تركيا وإسرائيل. قلت أكثر من مرة إن دخولهما في حالة تجاذب وصراع متصاعد أمر حتمي، لأن الدولتين تتحركان نحو المجال نفسه: سوريا وشرق المتوسط وموازين القوة في المشرق. وكلما حاولت أنقرة تحويل نفوذها في سوريا من نفوذ سياسي إلى وجود عسكري وأمني دائم، اقتربت أكثر من الخطوط التي تعتبرها إسرائيل جزءاً من أمنها الاستراتيجي.
مثلاً، بريطانيا وروسيا لم تتصارعا في «اللعبة الكبرى» لأن الشعب البريطاني كان يكره الشعب الروسي، بل لأن تمدد قوة منهما في آسيا الوسطى كان يُقرأ في لندن باعتباره تهديداً لطريق الهند. وروسيا والدولة العثمانية خاضتا سلسلة طويلة من الحروب لأنهما تنازعتا البحر الأسود والبلقان والمضائق ومناطق النفوذ، لا لأن الصراع كان قائماً على مشاعر مجردة. وحتى التنافس الفرنسي البريطاني امتد قروناً لأن قوتين صاعدتين كانتا تتزاحمان على البحار والتجارة والمستعمرات وموازين أوروبا.
الأمر نفسه، مع اختلاف السياق، ينطبق على تركيا وإسرائيل: كلما تمددت تركيا جنوباً في سوريا، اقترب نفوذها العسكري من المجال الذي تريد إسرائيل إبقاءه ضعيفاً ومجزأً وخالياً من قوة إقليمية منافسة. وكل توسع تركي كبير في الشام سيقابله سعي إسرائيلي إلى كبحه وضرب قدرته على تثبيت هذا النفوذ. هنا تكمن بذرة الصراع الحقيقية.
ومرة أخرى: الأتراك لا يفعلون ذلك حباً بفلسطين، ولا لأن أنقرة تحولت فجأة إلى رأس حربة في مشروع تحرير القدس. المسألة أبرد من ذلك بكثير: مصالح تركيا بدأت تتضارب بصورة جوهرية مع المصالح الإسرائيلية، والجغرافيا تدفع القوتين إلى مساحة واحدة.
لذلك فالمواجهة لا تعني بالضرورة حرباً تركية إسرائيلية مباشرة غداً صباحاً. قد تتأخر سنوات، وقد تمر بمراحل من التهدئة والتفاوض والصفقات والتراجع ثم التصعيد، وقد تكون متلونة ومتقلبة كما هي السياسة التركية نفسها. لكنها، ما دام مسار التوسع والنفوذ الحالي مستمراً، ستبقى تتجه نحو مزيد من الاحتكاك.
في الجغرافيا السياسية لا تسأل فقط: «هل هؤلاء يحبون فلسطين؟» بل اسأل السؤال الأهم: أين يريدون أن يصل نفوذهم، ومن يقف في الطريق؟
وعندما تريد قوتان إقليميتان المساحة الاستراتيجية نفسها، تبدأ المشكلة من الخريطة قبل أن تبدأ من الخطابات.