ترامب ووزير خزانته أمام مفتاح هرمز: بين ادعاء السيطرة وحقائق الجغرافيا
كتب / نجاح محمد علي
في الأيام الأخيرة، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت إلى الحديث عن مضيق هرمز بلغة توحي بأن الولايات المتحدة باتت تمسك بكل مفاتيح الممر البحري الأهم في العالم.
ترامب يتحدث عن سيطرة بحرية أميركية كاملة، وعن مياه جرى تطهيرها من الألغام، وعن ممر مفتوح أمام السفن تحت حماية القوات الأميركية. أما بيسنت، فيقدم أرقاماً أكثر تفاؤلاً، متحدثاً عن عبور عشرات الملايين من براميل النفط خلال أسابيع بمساعدة أميركية، في وقت يقول إن الصادرات الإيرانية تراجعت إلى الصفر.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما الذي تقوله واشنطن، وإنما: ماذا يقول الواقع.
عند العودة إلى مسار الحرب التي بدأت في شباط/فبراير الماضي، تظهر صورة أكثر تعقيداً بكثير من الرواية التي تقدمها الإدارة الأميركية. فمضيق هرمز لم يتحول إلى مجرد منطقة اشتباك عسكري، بل أصبح ساحة صراع على سؤال أكثر حساسية: من يملك القرار الفعلي في هذا الممر؟
قبل الحرب، كانت حركة الملاحة عبر المضيق تصل إلى نحو 130 سفينة يومياً في المتوسط. لكن هذه الحركة تراجعت خلال الحرب إلى مستويات شديدة الانخفاض، وصلت في بعض أيام آب/أغسطس إلى نحو 15 سفينة فقط.
وبينما حاولت إيران دفع السفن باتجاه المسارات القريبة من مياهها الإقليمية، سعت الولايات المتحدة إلى فرض مسار ملاحي بمحاذاة الساحل العماني، باعتباره طريقاً أكثر أمناً.
وهنا تظهر المفارقة.
فجزء كبير من الحوادث البحرية وقع بالقرب من المسار الذي قدمته واشنطن باعتباره المسار الآمن.
وهذا يعني أن إيران، حتى من دون امتلاك السيطرة البحرية التقليدية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، تمكنت من امتلاك ما يمكن تسميته «مفتاح التعطيل»؛ أي القدرة على جعل المرور في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية مكلفاً وخطراً وغير مضمون.
وهذه ربما هي النقطة الأهم في كل المعادلة.
ففي الحروب الحديثة، لا تحتاج الدولة دائماً إلى السيطرة الكاملة على البحر كي تفرض إرادتها. يكفي أحياناً أن تمتلك القدرة على تعطيل حركة خصمك، أو رفع تكلفة استخدامها، أو جعل الشركات التجارية تفكر مرات عدة قبل إرسال سفنها.
• إيران لا تبدو دولة منهارة
بعيداً عن الخطاب السياسي والإعلامي، بدأت تظهر مؤشرات على أن إيران تعمل على التكيف مع طبيعة الحرب بدلاً من الاكتفاء بامتصاص ضرباتها.
المسؤولون الأميركيون أنفسهم لاحظوا أن بعض الصواريخ الباليستية الإيرانية أصبحت أكثر سرعة وقدرة على المناورة خلال اقترابها من أهدافها. وإذا صحت هذه التقديرات، فإنها تعكس جيشاً يحاول التعلم من المعركة وتطوير أدواته، لا قوة فقدت قدرتها على القتال.
كما استفادت طهران من فترات وقف إطلاق النار لإعادة توزيع كميات من المعدات والذخائر، بينما يبقى من الصعب تحديد حجم ترسانتها المتبقية بدقة، خصوصاً مع وجود جزء كبير من قدراتها العسكرية داخل منشآت محصنة وتحت الأرض.
وتشير المعطيات المتداولة أيضاً إلى إعادة تنظيم داخل مؤسسات القوة الإيرانية، وتعزيز سلسلة القيادة، وتطوير شبكات استخبارات محلية، إلى جانب الاستعداد لرفع مستوى نشاط حلفاء إيران في المنطقة إذا اتجهت المواجهة نحو مرحلة جديدة.
بمعنى آخر، الحرب لم تدفع إيران إلى التراجع فقط؛ بل دفعتها أيضاً إلى إعادة ترتيب أدواتها.
• هرمز لم يعد مجرد مضيق
التداعيات تجاوزت إيران والولايات المتحدة.
الأضرار التي لحقت بالمنشآت والقواعد الأميركية في المنطقة، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ودبلوماسية، دفعت واشنطن إلى إعادة التفكير في انتشار قواتها وآليات حمايتها.
وفي الجانب الاقتصادي، كانت الصورة أكثر وضوحاً.
ارتفعت كلفة نقل النفط من الخليج الفارسي إلى آسيا بصورة كبيرة، بفعل ارتفاع التأمين والنفقات التشغيلية وتراجع عدد الشركات المستعدة لتحمل مخاطر الرحلات عبر منطقة أصبحت مرتبطة بالتصعيد العسكري.
ثم جاء اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ليزيد المشكلة تعقيداً.
فالسفن التي كانت تستطيع الوصول إلى آسيا خلال نحو ثلاثة أسابيع أصبحت مضطرة في بعض الحالات إلى اتخاذ طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يضيف أسابيع إلى الرحلة ويرفع تكلفة النقل والتأمين والوقود.
وهكذا أصبح هرمز والبحر الأحمر جزءاً من معادلة واحدة: أي اضطراب في الممرات البحرية لا يبقى في البحر، بل يصل في النهاية إلى الأسواق والمصانع والمستهلك ومحطات الوقود.
• وهنا تبدأ مشكلة ترامب الحقيقية
بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، لا تكمن المشكلة في الجانب العسكري وحده.
أسعار الطاقة أصبحت قضية سياسية مباشرة.
عندما يرى الأميركي سعر البنزين يرتفع في محطة الوقود، فهو لا يحتاج إلى قراءة تقرير اقتصادي طويل حتى يشعر بتأثير الحرب. السعر أمام عينيه، ويتحول سريعاً إلى سؤال سياسي: من المسؤول؟
: ارتفاع أسعار الوقود جاء في وقت تواجه فيه إدارة ترامب ضغوطاً سياسية واقتصادية، مع تراجع مؤشرات الرضا الشعبي واستمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم واتجاه الاقتصاد.
ومن هنا يمكن فهم سبب التركيز الأميركي على تقديم صورة مختلفة تماماً عن الوضع في هرمز.
واشنطن تحتاج إلى أن تقول إن المضيق مفتوح، وإن التجارة مستمرة، وإن القوات الأميركية تسيطر على الموقف.
لكن المشكلة أن الأسواق لا تتعامل مع الخطابات وحدها.
السفن وشركات التأمين وأسعار الشحن هي التي تختبر حقيقة «السيطرة» على الأرض.
ولهذا فإن الحديث عن السيطرة الكاملة على هرمز يصبح أكثر صعوبة عندما تكون شركات النقل نفسها مضطرة إلى إعادة حساب المخاطر والتكاليف والمسارات.
• ماذا تريد إيران؟
في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة للعودة ببساطة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب.
الشروط الإيرانية لأي ترتيبات جديدة بشأن المضيق ترتبط بإنهاء الحرب، ورفع القيود والحصار، وإلغاء العقوبات، ومعالجة تداعيات الهجمات التي تعرضت لها.
قد تبدو هذه الشروط مرتفعة من وجهة النظر الأميركية، لكنها تعكس حقيقة أساسية: الحرب غيّرت قواعد اللعبة.
قبل الحرب، كان النقاش يدور حول أمن الملاحة ومن يضمن مرور السفن.
أما الآن، فأصبح السؤال أكثر تعقيداً:
من يملك القدرة على فتح الطريق؟ ومن يملك القدرة على إغلاقه؟
وهذا فرق استراتيجي كبير.
• لا انتصار إيرانياً تقليدياً… ولكن
من الخطأ أيضاً تصوير ما حدث على أنه انتصار عسكري إيراني تقليدي.
ربما لم تصبح إيران بعد قوة بحرية تسيطر على الخليج، ولم تتحول إلى القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة.
لكنها حققت شيئاً آخر ربما يكون أكثر أهمية في حرب من هذا النوع: أثبتت أن قدرتها على تعطيل الممرات ورفع كلفة الحرب أكبر من حجم قوتها التقليدية.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تقلق واشنطن.
فإذا استطاعت دولة محاصرة اقتصادياً أن تؤثر في حركة الطاقة العالمية، وأن ترفع تكاليف النقل والتأمين، وأن تجبر خصومها على إعادة توزيع قواتهم، فإنها تمتلك نوعاً من النفوذ لا يقاس بعدد الطائرات والسفن فقط.
الجغرافيا هنا تتحول إلى سلاح.
ومضيق هرمز، رغم ضيقه، يستطيع أن يؤثر في اقتصاد عالمي بأكمله.
• هل تغيرت المعادلة الإقليمية؟
الأهم أن التطورات لم تعد محصورة في العلاقة بين واشنطن وطهران.
الدول الإقليمية بدأت أيضاً بإعادة حساباتها.
ظهور ترتيبات دفاعية جديدة، وتوسع التعاون بين دول مثل تركيا والسعودية وباكستان، يعكسان وجود أسئلة متزايدة حول شكل الأمن الإقليمي في المرحلة المقبلة، ومدى اعتماد دول المنطقة على المظلة الأميركية وحدها.
وهنا تصبح هرمز أكثر من مجرد أزمة ملاحة.
إنها اختبار لمفهوم القوة الأميركية في غرب آسيا كلها.
فإذا كانت واشنطن تقول إنها تسيطر على المضيق، بينما لا تزال حركة الملاحة مضطربة، والتأمين مرتفعاً، ومسارات السفن تتغير، فإن السؤال يصبح مشروعاً:
هل السيطرة تعني امتلاك السفن والطائرات فقط، أم امتلاك القدرة على جعل التجارة العالمية تسير بصورة طبيعية؟
حتى الآن، لا يبدو أن الإجابة محسومة.
والتأريخ العسكري يعلمنا شيئاً مهماً: الحروب الطويلة لا تُحسم بالتصريحات ولا بالمؤتمرات الصحفية.
في النهاية، الذي يفرض شروطه هو من يستطيع الاستمرار، والتكيف، ورفع تكلفة المواجهة على خصمه.
ولهذا، فإن معركة هرمز ليست فقط معركة على مضيق.
إنها معركة على من يملك مفتاح الطاقة العالمية، ومن يملك القدرة على استخدامه عندما تبدأ الحسابات الكبرى.
وقد تكون واشنطن قادرة على فتح الطريق بالقوة.
لكن السؤال الأصعب هو:
هل تستطيع أن تجعل الطريق آمناً ومستقراً ومفتوحاً من دون أن تدفع ثمناً أكبر في كل مرة؟
هنا تحديداً تكمن عقدة هرمز… وهنا أيضاً قد تكون الإجابة عن شكل النظام الإقليمي الجديد.