عام 2027 سيشهد تطبيق موازنة البرامج والأداء .. ولكن !!
كتب / د. باسل عباس خضير ...
بعد غياب تام للموازنة الاتحادية لعام 2026 ، بسبب ظروف الانتخابات البرلمانية ، وتشكيل الحكومة وما مر على البلد من أزمات مالية ، أحدثها إغلاق مضيق هرمز الذي تمر من خلاله اغلب صادرات نفط العراق ، باشرت الحكومة بإعداد الموازنة الاتحادية لعام 2027 ، تمهيدا لمناقشتها وإقرارها في مجلس الوزراء ، وعرضها للمصادقة في مجلس النواب خلال تشرين الأول القادم ، وان تم ذلك فإنها المرة الأولى التي يتم بها الالتزام بالتوقيتات ، التي حددها قانون الإدارية المالية رقم 6 لسنة 2019 بهذا الخصوص ، وما يميز موازنة 2027 ليس توقيتها فحسب ، وإنما طريقة إعدادها الذي يعتمد أسلوب موازنة البرامج والأداء ، وان تم إقرارها قبل نهاية 2026 ، ستشكل سبقا في تطبيق مفرداتها من بداية السنة المالية 1/ 1 / 2027 ، وذلك الحدث لم نشهده منذ سنوات عندما كان يبدأ تنفيذ الموازنات الاتحادية بعد مرور شهور من النفاذ .
وموازنة البرامج والأداء Program and Performance Budgeting ، هي نظام مالي لإعداد الموازنة العامة يربط بين التخصيصات المالية والأهداف والنتائج الفعلية ، بدلاً من التركيز فقط على بنود الصرف التي طبقت في موازنات السنوات السابقة ، وهو أسلوب مطبق في الكثير من دول العالم وفي اغلب الدول العربية ودول المنطقة ، والفرق الجوهري بين موازنة البنود وموازنة البرامج والأداء ، يكمن في أن الأولى تركز على نوع النفقات (المدخلات) ، بينما تركز الثانية على الأهداف والنتائج (المخرجات والكفاءة) ، والفكرة الأساسية لها تعتمد على تبويب النفقات وفقاً للأنشطة والبرامج والأهداف الواضحة ، مثل (برنامج معالجة البطالة ، برنامج مترو بغداد ، الكهرباء ، بناء المدارس )، وربط التخصيصات المالية بحجم الإنجاز ، بما يضمن قياس كفاءة وفعالية الأداء الحكومي و تعزيز الشفافية والمساءلة ، وتتيح معرفة تكلفة كل نشاط أو وظيفة وما تم تحقيقه مقارنة بالإنفاق ، وذلك ضروري في بلد مثل العراق يعاني من هدر الأموال وتفشي الفساد وضعف ظهور نتائج الإنفاق لأكثر من تريليون دولار خلال ال20 سنة الماضية .
ورغم الرأي ، بان موازنة الأداء سبق تطبيقها من خلال ما تضمنته ( الورقة البيضاء ) عام 2021 ، كخارطة طريق لمعالجة الأزمة المالية وإصلاح الاقتصاد على المدى المتوسط ، إلا إنها ستطبق بشكل أوسع في موازنة 2027 ، وستعتمد منهاجا ملزما لقادم السنوات ، وحسب بيانات وزارة المالية ، فمن المتوقع أن يخصص مبلغ 150 تريليون دينار لموازنة البنود ، لأغلب الوزارات والمحافظات وإقليم كردستان باعتبارها نفقات حاكمة لفقرات الرواتب والدعم الذي يشمل عددا من الفقرات ، و50 تريليون للبرامج والأداء ، منها 30 تريليون لوزارتين ومحافظتين ، و20 تريليون للمشاريع واجبة التكملة ومنها المتلكئة بسبب الأزمة المالية ، وفي حالة تطبيقها بشكل أوسع ، فانه ربما يعالج المشكلات التي تعاني منها البلاد فيما يخص المصادقة على الحسابات الختامية ، إذ لايزال مجلس النواب ولحد اليوم في طور المناقشة والمصادقة على الحسابات الختامية للسنوات 2012 – 2015 ، وفي موازنة البرامج والأداء من الممكن المقارنة بين المخصص والمصروف الفعلي والنتائج بما يعطي الرقابة المستمرة على الإنفاق .
ورغم الاعتقاد بان العمل بموازنة الأداء والبرامج ، سيكون انطلاقة مهمة في تخصيص الأموال والرقابة عليها ، إلا إن هناك من يشكك في قدرة الحكومة في الالتزام بمضامينها بهذا التوقيت ، لأسباب عديدة أبرزها ، القدرة على توفير متطلباتها من الإيرادات المخمنة ، التي تبلغ أكثر من 200 تريليون دينار في ظل الوضع الأمني السائد في المنطقة ، والذي يمنع انسيابه تدفق حصة العراق بموجب اوبك + من صادرات النفط ، التي لا تزال تشكل أكثر من 85% من مجمل الإيرادات ، وبهذا الخصوص يطمأن وزير النفط ، بان صادرات النفط الحالية تقترب من مستويات 3 ملايين برميل يوميا ، باعتماد تكتيكات جديدة تبتعد عن الأساليب التقليدية في التصدير بحرا ، من خلال اعتماد الناقلات الأم العملاقة بدلا من السفن المكوكية الصغيرة في نقل الصادرات إلى خارج مضيق هرمز في منطقة خليج عمان ومن هناك يتم تسليم النفط ، وحسب خبراء ، فان ذلك يسهم في مسالتين ، ألأولى زيادة الصادرات ، والثانية التخلص من الخصومات التي تتراوح بين 25 – 27 لكل برميل ، و( سومو) بدأت تطالب بتطبيق علاوات سعريه تبلغ ( 2 ) دولارين عن كل برميل مباع خارج منطقة المضيق .
ونقول : نعم لموازنة البرامج والأداء ولكن ، من المهم أن يكون تطبيقها ، ليس لأجل تجريب شكل جديد من الموازنات ، وإنما للاستفادة من مزايا هذا الأسلوب ، في بلوغ الأهداف التنموية و الاقتصادية والاجتماعية من تخصيصات أموال الشعب والأجيال ، والاستخدام الرشيد للموارد بما يقلل ويمنع الهدر والفساد ، كما إن من المهم أن لا يكون تطبيقها دافعا لزيادة المديونية تحت غطاء معالجة العجز ، او التضييق على محدودي ومعدومي الدخل بفرض الضرائب والرسوم او تغيير أسعار صرف الدولار مقابل الدينار لأي مسوغ كان ، ومن المؤكد إن موازنة من هذا النوع ، لا تتحمل المزايدات ولا تعمل بالمزاجات ، لأنها ستضع الأموال أمام النتائج والمسؤول أمام ما تحقق فعلا ، ربما ستواجه مقاومة تغيير من بعض الأطراف ، ونتمنى أن تتفوق المقاومة الايجابية باتجاه التأييد و دعم التغيير الصحيح لا تعطيله .