المقاومة استقلت قطار التعافي رغم عظيم التحدي والم الجراح
كتب / بلال اللقيس
استطاعت المقاومة وفي متنها حزب الله ان ترمم ذاتها وتقف بعلميّة وشجاعة ودون ضجيج على أخطائها لتجاوزها وتستفيد من التحولات لتستقل قطار التعافي للنهوض مجددا.
حقيق علينا القول ان حجم المدخلات inputs التي وفرها الغرب بقيادة اميركا واداة الصهيونية لهذه الحرب تمهيدا لاضخم هجوم تاريخي لاسقاط المقاومة وثقافتها ولمرة اخيرة واستعادة هيمنته العالمية ، انه بمثل هكذا مقدمات كان يجب ان يسقط دولا ناهيك عن المنطقة كلها وبأشهر قليلة ! لكن المراقب للمخرجات outputs يتبين ان النتيجة كانت مخيبة رغم قساوتها وان الاقتراض الأمريكي كان تقديرا خاطئاً وكارثيا واشبه بوهم عاشه بعيدا كل البعد عن الواقع والوقائع الصلبة.
عوامل جديرة بالدراسة كانت خلف هذا الصمود الأسطوري لجبهة المقاومة ثم سيرورة المقاومة في معالجة الجراح ثم التحكم فالمبادرة سعيا لاستعادة النهوض التام الذي لا يبدو بعيد المنال.
فالحزب الايماني وثقافة مجتمعه اولا والقيادة وحكمتها وشجاعتها ثانيا والجمهورية الاسلامية الإيرانية وجبهة المقاومة ثالثا وحمق العدو رابعا كانت هي العوامل الاساسية التي أدت إلى افشال المشروع الأمريكي الصهيوني واهدافه وخلفت تداعيات بمثابة زلزال ضرب العالم والغرب وحلفائه ولا زالت تداعياته مفتوحة ، ويلاحظ تدريجيا تلاشي و تهاوي كل الفلاشات التي ادعت وراهنت على طرق وبقيت المقاومة في لبنان والمنطقة ليس معضلة فعلية امام الاعداء فقط بل المشروع الوحيد الواقعي حتى لو علت الأثمان في محطات معينة.
نعود إلى حزب الله . فالحزب الذي مثل تلك الحركة اللبنانية الانتماء والايمانية المنهج والانسانية الهوية كمنت قوته في فكرته وحقه وقضيته التحريرية والتحررية وقوة مجتمعه فلم تكن المقاومة فكرة مستدخلة بل متجذرة في هوية هذا المجتمع ، مستمدة من مدى حضاري يربط بين ماض ومستقبل وبين وجوب القيام من حد رفض الظلم إلى حد بسط العدل واحقاق الحق وما بين الحدين من جهاد ودفع للظلم ومسؤولية على اهل الوفاء والايمان . والمقاومة رؤية اخلاقية وواقعية في آن ، اذ ان الذي لا يحمل نزعة رفض الظلم لا يمتلك نصابا اخلاقيا لبناء مجتمع وحضارة إنسانية لائقة تحمل الخير للناس وتحفظ كرامتهم ، اما انها طرح واقعي فيعني انه لا يعيش الخيال بل يبني على الوقائع بارادة وعزم وتصميم وشجاعة واذا اخطا لا يتنكر بل يصحح ويستمر ويكمل . فالجهاد هو فعل في مواجهة الظلم وليس في مواجهة المختلف ان اعتقاديا او سياسيا .كوالشهادة ليست فقط اثرا من اثار الجهاد واحدى نواتجه اي ليست كلفة عنوانها التضحية بل في لحظة من لحظات الحور والحيف تصبح منهجا . ان هذه الرزمة من الإدراكات والقناعات أعطت وتعطي لحزب الله والمقاومة زخما لا يتوقف و امتداداً واتساعا افقيا وعاموديا ضمن استمراره و توسعه وتمدد خطابه . فما دامت الفكرة وفلسفتها حاضرة وما دام الظالم يزداد عتوا تزداد معه قوة الفكرة وتتأجج . ومما استجد في هذه الحرب ان المجتمع المقاوم يرى ان هذه الحرب الاولى في تاريخه الحديث التي -رغم قساوتها- التي لا يرى فيها نفسه مستلحقا بل صانعا يدافع عن الإنسان كل إنسان وكرامته فهو ينفق ويعطي ليصنع المستقبل له وللآخرين فيدفع غرما ويبني مستقبلا ومكانة.
اما العامل الثاني اي عقل قيادته بدءا من أمينه العام المدبر والشجاع والراسخ القدم إلى كل المستويات القيادية فتجلت اولى الآثار في الوحدة والولاء واجتماع الكلمة فالجميع يقرأ في كتاب واحد ويحمل هما واحدا ويعرف المسوولية ويتميز بالمبادرة ، فلم تستغرق قيادة حزب الله بالوقوف على الجراح او تستسلم لوطء المشهد بل انكبت لتحمل دم قادتها وجرحاها ودماء شهدائها وبيوت اهلها المهدمة وتعاود الانطلاق من خلالهم وبهم لكونهم اكثر استعدادا وعشقا للمسيرة واهدافها فشقت معهم طريق القيام وخاضوا معركة العصف المأكول مستعيدين مشهد جديدا وصورة حاول البعض محوها بفرض مشهد مغاير ليتبين انه خادع نفسه وان حزب الله لا زال في الساحة ومؤثرا كبيرا رغم ما اصاب جوانب من قوته بل لا زال اللاعب الاهم والمعضلة التي تنتصب امام الغرب واسراءبل واعداء الداخل . كما نجحت القيادة بعقلها السياسي ان تفشل وتسقط المؤامرات التي كان منها مؤامرة السلطة واستخدمت وعاء التبريد لإطفاء نار الاستفزاز ونجحت في فضح مسار السلطة فتعرى رأسها حتى اصبح رئيسا شبه معزول يبحث عن فتات دعم او شرعية فلا يجدها إلا بمزيد من الخضوع والاستجداء وامتهان الكرامة الوطنية امام ترامب وعواصم الغرب وبعض الخليج . وتقدم حزب الله خطوات بعلاقته مع القوى الاسلامية ومنهم الجماعة الإسلامية فتأكدت الثوابت الإسلامية والوطنية وفلسطين ، واستمر في علاقاته الطبيعية مع الرئيس سعد الحريري وتياره الكبير مقدرا لال الحريري مواقفهم العامة من إسرائيل واستقرار لبنان وبانيا عليها ، ورغم تباينه مع التيار الوطني لكن ابقى الكثير من نقاط الالتقاء معهم قائمة ومستمرة وحافظ على حلفائه الوطنيين وازداد تقديرا لهم ومنهم الوزير فرنجية والامير أرسلان ، ولا اظنه اغفل النظر عن مواقف الاستاذ وليد جنبلاط التي كانت متقدمة في موضوع الصراع مع العدو وفيها كثير مما يبنى عليه في المستقبل . اما الحكومة فواجهها دون ان يخرج منها في تجربة غريبة عليه بعض الشيء لكنه رأى وحليفه ( اقول نفسه ) الرئيس نبيه بري وحركة امل فيها مصلحة حتى حين.
ولم تكن سياسته حيال الاقليم اقل حكمة فحافظ على خطابه بقدسية القضية الفلسطينية وموقعينها وافتخر بما بذله على هذا الطريق ولم يتراجع او يعدل . وحاول تخليق فرص تهدئة مع السعودية ( التي لم تتلقفها لسوء الحظ ) بما يجنب لبنان مواجهة بينه وبين حلفائها في لبنان ، اما تركيا فحافظ على علاقة خاصة وتواصل فعال معها بما يخدم امن لبنان وسوريا والمنطقة ووحدة كياناتنا ورفض تهديد إسرائيل لامن تركيا ، وكذلك في علاقته مع دولة قطر . اما المسالة السورية التي اعتبرت من أصعب تحديات الحرب فقد نجح في تهدئة ثم نزع اي فتيل يمكن استغلاله من المتربصين ولم يعمل بانفعال او كيدية او انتقام لتغذية خطاب تفكيك سوريا بل خالفه وحافظ على ثوابته وأصالة خطابه في اولوية وحدة كياناتنا وعدم تمزقها وخاطب شعبها وقيادتها خطابا عقلانيا مسؤولا بعيدا عن العصبيات والموروثات والمسبقات رغم اختلاف النظر في بعضها ووصل به الأمر ان أبدى التجاوب للتواصل العلني مع القيادة السورية لكل ما يساعد في تعزيز وحدة البلدين ومواجهة ارهاب الدولة الصهيونية واخراجها من ارضنا . وفعلا نجح حزب الله في تخفيف حدة الهواجس وإسقاط حواجز متوهمة عند البعض في العلاقة بينه وبين عدد من التيارات الإسلامية في سوريا اليوم.
اما علاقته بايران وجبهة المقاومة فصار يعبر عنها بوضوح اكثر فتقدم في مخاطبتها وعرف كيف يستفيد من انجازاتها لمصلحة لبنان وكظمت ايران غضبها احتراما لحزب الله ورئيس مجلس النواب على الاذى الذي لحقها من آلتعاطي مع مسالة السفير والسفر المباشر . وهنا ، لا ينكر حزب اللهً ان ايران كانت الجناح الابرز لكل قوى المقاومة في المنطقة ولكل من يقول لا لهيمنة اميركا في العالم حيث وضعت ايران نفسها ونقاط قوتها في خدمة حزب اللهً والمقاومة في لبنان وصار الضغط الإسرائيلي على حزب الله يتوازى مع ضغط ايراني على اميركا ، وهكذا حمت المظلة الإيرانية لبنان من الاستباحة الاسرائيلية الكاملة واتاحت للمقاومة امكانية الترميم والبناء السريع والنوعي . فصارت ايران معينا فعليا للبنان على اخراج العدو ، وهذا يحسب لحزب الله الذي كعادته يستفيد من علاقاته الخارجية لتحرير لبنان وقراره عكس ما تقوم به السلطة وبعض أحزابها من توظيف الخارج لمواجهة الخصم في الداخل وجعل قراره مستتبعا او ربط الصراع بدل انهائه على قواعد واصول وطنية كما فعل السيد جوزيف عون.
[ اما حمق العدو ، فحدث ولا حرج فلا اظن ان قوى المقاومة قد استفادت من حكم في الغرب كالادارة الأمريكية لترامب . فهو ساعد في كشف حقيقة الغرب ووحشيته وساعد في بروز نوع من التمايز بين الشارع الغربي والإدارة الأمريكية وساهم في توضيح ما احتاجت للمقاومة لعقود لبيانه ، والاهم انه كشف حدود القوة الأمريكية وانها يمكن ان تهزم وان ايران تمتلك من الذكاء اضعاف ما تمتلكه اميركا ان في الاستراتيجيات او في الدبلوماسية وان وان … وهذا شجع كل العالم على تحدي أميركا في كل المجالات والميادين واسقط هالة الأخيرة.
المقاومة في المنطقة وفي لبنان وحزب اللهً امام آفاق مستقبلية واعدة تفرضها تباعا التحولات الاقليمية والدولية رغم صعوبة المرحلة الحالية ، وسيبقى اللاعب الأكثر تاثيرا في الساحة اليوم وغدا وسيزداد خطابه تاثيرا في الاقليم والعالم . صدق من قال انّ الضربة التي لا تسقطك تقويك . لذلك فانّ مسار استعادة العافية لن يعرف حدودا ، والذي صمد في هكذا حرب كونية وفي ذروة الهجوم في الأعوام الثلاثة الماضية فلقد انتصر وعالم ما بعد أميركا قد وقع .