عقد العراق الثلاث الكبرى: الشيعة والاضطهاد – السنّة والاسترداد – الكرد والابتعاد..!
كتب/ علي عنبر السعدي ||
من يقرأ تاريخ العراق الحديث، سيخرج بحصيلة مفادها. ان ما أوصل ذلك البلد الى ماهو فيه، استند منذ البدء على مشكلات ثلاث، لم تستطع الدولة العراقية الحديثة تجاوزها ـ وقد لا تستطيع في المستقبل المنظور ـ
أولى المشكلات تمثلتْ في احتكار السلطة لدى السنّة ـ أو من حسب عليهم ـ التي ربما أملتها ظروف النشأة والبدايات، ودفعت اليها سلوكيات الطرفين الآخرين، لكنها تحولت لاحقاً الى حالة من الشعور بالامتياز الحصري ونوع من التعالي الذي قد تسببه مواقع السلطة وامتلاك الثروة والجاه والقرار، ما يدخل لاحقاً الى بنية فكرية ثقافية أحادية الجانب .تقسم المجتمع الى حاكمين ومحكومين، وحين تتراكم تلك المشاعر، فان محصّلتها ستكون نوعاً من العقدة النفسية التي تمنع الاعتراف بحقّ الآخرين بالمشاركة، وهو ماعبّر عن نفسه بعقلية الإلغاء.
تلك المتراكمات التي تشكل جزءاً من تراتيبة سياسية وسلوكية معاً، ليست اتهاماً بحدّ ذاتها، كذلك لايكفي الإشارة اليها في سبيل إدانتها، إذ أن ذلك بالمحصّلة ، لن ينتج شيئاً محدداً ،اذا لم يجر الاشتغال عليها كحالة وعي يتبدل تدريجياً ، نحو إزاحته. ومن ثم استبداله بحالة مغايرة ، تتمحور حول نواة صلبة ، أساسها ترويض السياسية لصالح البناء ، بعد أن يفرز الوعي قناعات أخرى تفيد بأن تحقيق الذات الخاصة ، لم يعد قابلاً للتحقق ، من دون أن يندمج بتحقيق الذات الجمعية للعراقيين، إذ ان الأوطان القوية ، هي مجموعة من ذوات متحققة لا تعيش عقداً من أيّ نوع.
في جانب آخر، عاش الشيعة عقدة الاضطهاد والشعور بالاستهداف، وهم عندما ينظرون الى تدوينات التاريخ ـ قديمه وحديثه ـ سيقرأون فيه صفحات لم تنصفهم على معظم الصعد ان لم يكن كلهّا، وسواء كان ذلك حقيقياً أم مبالغاً فيه، فقد تجذّرت عقدة الاضطهاد في السلوكية الشيعية التي مالت الى الغيبيات على حساب المحسوسات،
وبالتالي الابتعاد عن الاشتغال الفعلي في السياسة أو ملامستها ، ما خلق حالة من التباعد شبه الدائم مع السلطة القائمة، فتحكّمت في سلوكياتهم عقدة الممانعة أو المعارضة من خارج الحكم، وعليه لم يجيدوا فن السياسة ، التي لا تتمّ الا بالمشاركة الفعلية في السلطة وتعلّم آلياتها، وهو ما لم يحصل الا في فترات قصيرة ومتباعدة. لم تؤسس لحالة فكرية سياسية متجذّرة وفاعلة، حيث جاءت المشاركة اقرب الى الاستثناء منها الى قاعدة يمكن الركون اليها أو الانطلاق منها، ذلك ما يزال يفعل فعله حتى اليوم، وهو مانشهده في سلوكيات بعض القوى السياسية الشيعية التي تتصرف وفق ردود الأفعال وجيشان المشاعر، منه الى حسابات العقل ومنطق السياسة.
اما عن الكرد، فهم قد عاشوا منذ البداية في عقدة الانعزال، وبالتالي البحث عن كيانية خاصة، ذلك ماجعلهم لا يتأثرون بحالات الاندماج في الكيان العراقي. رغم كلّ المحاولات- الجادّة منها أو الشكليةـ ورغم ما تعرضوا له من ويلات ومآس، وفي وقت تشكلّت فيه بلدان كبرى من إثنيات وأعراق مختلفة. قاطعة أشواطاً في طريق التقدم والازدهار، لعبت الانعزالية الكردية دوراً ليس بالقليل فيما عاشه العراق، ومازالت الإحتمالات قائمة.
ماالذي يحتاجه العراق للخروج من هذه المتواليات العقدية؟
البحث عن عقول استراتيجية وقادة استثنائيين، يضعون اللبنات الأولى للأسس التي سيبنى عليها العراق الجديد، ذلك ينبع أولاً من إيمان سنّي قاطع بالمشاركة واعتبارها ضرورة استراتيجية للعراق ، وليس قبولاً على مضض بانتظار فرصة الوثوب الى السلطة الحصرية من جديد ،والعودة من ثم الى المربع الأول.
أما الشيعة، فالتعلم ومن ثم الإيمان المطلق بأن العمل السياسي وحده هو الكفيل ببناء العراق، وبالتالي الابتعاد عن الغيبيات والشعارات والغرائز وعقدة الضحية والغبن..
فيما يحتاج الكورد الى قناعة الاندماج الفعلي ،واعتبار العراق وطناً نهائيا ثابتاً .